الأحد، 1 أكتوبر 2017

كانت المقاهي في بغداد لها مكانة كبيرة في مجتمع المدينه المحافظ
احمد القيسي
____________________
اول مقهى في بغداد كان في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي في عهد اغا الينكرجيه ( كلمة تركية تعني الجيش الجديد ) ثم والي بغداد سنان باشا جغاله زاده ( يقال ان اصوله ايطالية )  وبعده ابنه محمود باشا وفيها تقدم وتشرب القهوه فقط لذلك سميت مقهى وتقدم بفناجين من الفخار عادة و للاغوات والبيكات والبشوات بفناجين من الفضه..ثم تطورت مع الزمن .
و تطورت المقهى حيث وجد القاصخون فيها قبل فرقة الجالغي والمقام وجاءت من مصر مطربات امثال طيره وفخريه حيث كن في رمضان ينشدن الموالد النبويه في المقاهي والبيوت البغداديه  واقوى من احيا ليالي رمضان بالمقاهي صاحب الطريقه الدسوقيه العارف بالله جمل الليل .

و لعبت المقاهي دور كبير في احتواء شباب ورجال المحلات الشعبية و حصر تواجدهم فيها ليمارسوا هواياتهم وتسلياتهم البريئة في لعب الدومنه والطاولي و سماع القصص الشعبية في ايام رمضان أو ممارسة لعبة المحيبس الشعبية ، هذا اضافة الى تناول المشروبات المختلفة الحارة والباردة وتناول الحلويات كالحلقوم ومن السما ، وكانت المقاهي منها الكبيرة المركزية ومنها الصغيرة التي لاتخلو محلة منها ، والمقاهي الكبيرة تقع في مناطق مركزية بين عدد من المحلات الشعبية او في شوارع عامة مثل شارع الرشيد او في ميادين المدينه مثل منطقة الميدان ، اما المقاهي الصغيرة فتقع على راس المحلة او داخلها في فضوات داخلية فيها ، والفضوة كلمة يعنى بها الفضاء او الفسحة وسميت بعض المحلات بها لأهميتها مثل فضوة عرب في باب الشيخ او الفضوة في محلة الفضل ،وكانت نساء المحلة يتجنبن المرور بالمقاهي عند خروجهن لقضاء اشغالهن من تسوق او زيارة ، حيث يعرفن اماكن تواجد المقاهي فيتخذن طريقهن بعيدا عنها حتى لو اضطررن الى سلوك طرق أطول او عبور شارع مرتين
وهناك فارق بين المقهى والجايخانه حيث ان المقهى اكبر ويقدم فيه كل ما ذكر اعلاه ، اما الجايخانه فهي اصغر ويقدم فيها الجاي فقط ،وهناك مقاهي خاصة بحرف معينه تتواجد في مناطق ممارسة هذه الحرف مثل مقهى الخفافين في سوق الخفافين قرب المدرسة المستنصرية ، او مقاهي للبنائين او العاملين في مهنة البناء وغير ذلك ، وكانت المقاهي تؤثث بالتخوت (جمع تخت ) وهي مساطب خشبية مرتفعة قليلا حيث يتربع الجالس عليها ليحصل على راحته في جلسته التي تستغرق وقتا طويلا ويقرش عليها أما حصيرة من الخوص أو ( بسط ) ( جمع بساط ) وبعض الاحيان يوضع عليها دوشك ( مرتبة ) من القطن او الريش
2- مقهى عارف اغا - رفعت الجادرجي
كان مقهى مرموقا لدى البغداديين في الثلاثينات والاربعينات من القرن العشرين ، يؤمه عدد كبير من رجال الطبقة الوسطى وخصوصا موظفي الدولة ، وذلك لقربه من السراي الحكومي ، واشتهر هذا المقهى بحفلاته الدورية الخاصة بلعبة الدونبلو ( البنكو ) في امسيات رمضان وتميز عن غيره من المقاهي ، لا بنوعية الشاي وانما بالقهوة العربية التي يقدمها لزبائنه ، وكان الجلوس في هذا المقهى غالبا على تخوت ، مع بعض الكراسي ويكون الجلوس اما قعودا مع ارجل مدلاة ، أو تربعا ً على التخوت ، ويكون للتخوت مسندا للأرجل عند تدليتها لتكون الارجل مسندة وبعيدة عن رطوبة الارض وغير ذلك ، وكانت هذه التخوت مغطاة بسجاد لراحة الزبائن ، كما هو معتاد في المقاهي المرموقة في بغداد والتي يرتادها أفراد غالبيتهم من الطبقة الوسطى والحرفيين ، ويجلس صاحب المقهى على كرسي وامامه طاولة في المدخل حيث يستقبل الزبائن ولا سيما لمعروفين لديه واللذين يتمتعون بمقام مرموق في المجتمع ، فيجلس هؤلاء في مواقع تعودوا عليها أو خصصت لهم وإن كانتهذه مشغولة في تلك اللحظة  من زيارتهم يتقدم صاحب المقهى ويأمر المساعدين بتهيئة موقع مناسب لمقام هؤلاء . لاشك أن جميع المواقع هي متساوية من حيث نوع الاثاث ( التخوت والطاولات التي وضعت امامها ) وانما يكتسب بعضها أهمية بسبب العادة ، اي تكرار جلوس بعض الافراد الوجهاء في المواقع نفسها ، فتكتسب هذه قيمة تتميز بها عن غيرها من المواقع ضمن المقهى ، ومصدر القيمة هو فرصة الجلوس قرب أشخاص يتمتعون أما بجاه اجتماعي أو ثقافي أو وظيفي في الدولة .
وحالة مثل هذه تبرز دور صاحب المقهى في تنظيم موقع لجلوس هؤلاء الزبائن حسب مقامهم ومعرفته بهم وافضلياتهم للموقع ، أما اذا كان الزبون جديداً وغير  معروف فيقدم هذا بنفسه - من دون اهتمام من صاحب المقهى – على اختيار موقع مناسب بالنسبة اليه ،شرط ان لا يكون هذا الموقع ذا أهمية واضحة نسبة للمواقع الاخرى .
كان لباس صاحب المقهى تقليديا : الزبون والجرّاوية ، وهو يقوم بوظيفة أخرى في غاية الاهمية في ادارة العلاقة بين الزبائن فيقبض الاجور مقابل الجلوس في المقهى ، وهناك عادة أو تقليد في مقاهي بغداد : أن يقدم بعض الزبائن على دفع أجور عن أشخاص آخرين تبرعا وكرما ولتأسيس علاقات طيبة ومناسبة مع أصدقاء أو معارف أو حتى مع اللذين في بداية دور التعارف أو للرغبة في التعارف معهم فإن اختلف الزبائن حول من يدفع قبل من ، يتقدم صاحب المقهى وينظم تسوية بينهما ، فهو من يقدر الموقف ويقرر من يدفع عن من ، حسب المقام والمناسبة ، ويسمى هذا العرف او التقليد ( الوير ) .
3- الوجاغ هو الموقد و محل عمل الشاي وتكون عليه غالبا انواع قـواري البورسلين شكلا وحجما والكتالي ( جمع كتلي ) .
 وتنتشر حواليه انواع السماورات وهي من مصادر متعددة منها الروسية الاصلية ( المسكوف ) اي الواردة من موسكو (حيث كان الناس يسمون الروس – مسكوف ) او التركي او الايراني ، وعرف البغدايون السماور عن طريق الأتراك الذين لا زالوا يستخدمونه في عمل الشاي , وأرتبط السماور أرتباطا كبيرا بأهل بغداد حيث لم تخل مقهى منه بل كان هو أساس تقديم الشاي وكان صاحب المقهى ينتظر الفحم أن يتجمر ويغلي الماء داخل السماور ثم يتم رفع المدخنه وهي عباره عن أسطوانه معدنيه توضع فوق الجزء الوسطي الخاص بالفحم .
ولكي يتمكن صاحب المقهى من خدمة أكبر عدد من الزبائن يقوم بصنع شاي ثقيل ويضيف عليه ماء مغلي عند تحضيرأستكانات الشاي وتقديمها وهي ذات الفكره ألتي طبقها الروس فكان ما يسمى بقوري الشاي يكفي لعشرات الزبائن .
النركيلة أو الاركيلة بالالف تهيئتها واعدادها تتم من قبل عامل متخصص ليس له عمل اخر في المقهى ، حيث يقوم بتهيئة التتن (التبغ) الخاص بعمل النركيلة من (اوراق نبات التبغ ) الطبيعية المجففة بكامل عروقها وهي غير معاملة باي مادة كيمياوية ، كانت تجلب من شمال العراق حيث كان يزرع نبات التبغ لكنها حاليا تستورد من الدول المجاورة ، و يقوم  بتنقيعها في الماء قبل ان يتم استعمالها في النركيلة ، ومن ثم  يوضع التبغ في الفنجان و تختار فحمات مجمرة من الوجار ( او الاوجاغ وهي كلمة تركية- اوجاك - تعني الموقد وتستخدم في اللهجة العامية وكما يقول الشاعر الشعبي – عمت عين الوجاغ الما توج ناره ... ) لوضعها على التتن المكور في الفنجان ، وبعدها يركب الفنجان على بدن النركيلة و يتم تركيب القمجي وهو ( انبوب مرن من المطاط يستخدم  لسحب الدخان ) والقمجي قد يكون خاص يحفظ للرواد المستديمين أو عام لباقي الرواد ، وكما قلنا سابقا أن بعض الرواد الدائميين قد يفضلون استخدام ( تتنهم ) الخاص والذي يحملونه معهم في اكياس قماشية حيث ينادون على عامل النركيلة في المقهى لكي يأخذه منهم قائلين ( تعال اخذ تتن ) ليتم استعماله في نركيلتهم  .
اما تدخين النركيله فكان لكبار السن فقط ولا يتعاطاها الصبيان او الشباب حيث لا تجد شابا يجلس في مقهى ويدخن النركيلة امام روادها من كبار السن ، وكان البعض يجلب التتن الخاص به معه في كيس خاص ليتم تعمير نركيلته منه ، حيث ينادى على عامل الاراكيل : ( تعال أخذ تتن ) واصبحت هذه العبارة مثلا دارجا عندما لا يُتقبل كلام احدهم حيث يقول له ( اخذ تتن ) .
4- هناك محلات في بغداد سميت على اسماء مقاهي لشهرة هذه المقاهي او مركزيتها وتوسع العمران حولها او لشهرة صاحبها او مرتاديها ، ومن هذه المقاهي ( مقاهي عكيل ) في منطقة الكرخ وهي عبارة عن اربعة مقاهي متجاورة يرتادها افراد عشيرة العكيل في منطقة سكناهم في الكرخ من بغداد التي تمتد من سوق حمادة باتجاه الشيخ معروف ومن منطقة السوق الجديد حتى قهاوي عكيل ، وكانت عشيرة عكيل يمتهنون التجارة والنقل الى خارج العراق بواسطة الجمال ( الاباعر جمع بعير ) ، وكانت قوافل الحجاج في بغداد تنطلق من خانات الاباعر في مناطق عكيل ، حيث يودع الاهالي حجاجهم في هذه الاماكن بالدفوف والرايات .
والمقهى الاخر الذي سميت المحلة على اسمه هو ( كهوة شكر ) وكانت مقهى كبيرة يرتادها سكان المنطقة والعمال الارمن من سكنة كمب الارمن القريب منها وايضا اهالي محلة الفناهرة ، و ( شكر ) صاحبها هو جد الكاتب والاديب والصحفي ( ابراهيم صالح شكر ).
وهناك مقاهي حملت اسماء مرتاديها لشهرتهم مثل مقهى الزهاوي التي كانت تسمى مقهى ( امين ) لكن حث ان دعا نوري السعيد ايامها للالتقاء به في مقهى امين في شارع الرشيد ، ولم يكن المقهى حينها كبيرا او شأن ولا يحوي الا على بعض المصطبات وكراسي قديمة وفونوغراف ( ابو الزمبرك ) لكنه اعجب الزهاوي واتخذه مقاما له حيث تحولت المقهى الى منتدى للادباء والمفكرين ، والتقى فيها الزهاوي بشاعر الهند الكبير ( طاغور ) عام 1932 وصارت ملتقى للأدباء والكتاب كالرصافي والدكتور احمد سوسة .
وهناك مقاهي حملت اسماء عاملين فيها مثل ( كهوة عزاوي ) الشهير بالاغنية البغدادية ( يا كهوتك عزاوي بيها المدلل زعلان ) ، وصاحب المقهى هو ( حميد القيسي ) ، تأسست المقهى في القرن التاسع عشر بالقرب من سوق هرج في الميدان ، وعزاوي هذا كان عاملا فيها وجاء من الكوت وكان يتمتع بصفات ومزايا اعجبت رواد المقهى حيث كان اريحي النفس وطيب ويلبي طلبات الرواد دون ضجر او ملل ، وهذا ما جعل الرواد يسمون المقهى باسمه ، كما كان يجيد عمل الشاي بطريقة مميزة فضلا عن نظافة المقهى .
 ومن اسباب شهرة مقهى حسن عجمي الشاي اللذيذ و تبين انه كان يضع قطعة صغيرة جدا من الترياك تحت غطاء القوري اثناء التخدير وذلك يعطي الشاي مذاقه المميز، ومن الظواهر المتميزة في هذا المقهى وجود القزم الايراني ( شفتالـو ) وطاسة الماء بيده وتظاهره بالغباء و( ضراطه ) حسب الطلب .
كانت مقهى الشابندر بحكم موقعها تزدحم بالرواد نهارا بانتظار فتح الدوائر الحكومية المجاورة اوبانتظار قرار المحاكم المختلفة المجاورة او بانتظارالمراجعه عندما يقول الموظف لمراجعيه ( روح وتعال بعد ساعة ) ، وفي المساء تكون المقهى ايضا مزدحمة لانها تكون محلا لانتظار فتح المايخانات المجاورة التي كانت تفتح ابوابها بعد اذان المغرب او بانتظار القصخون او قاريء المقام وجوقة الموسيقى في بعض ايام السنة .
كهوة بكر في الميدان كانت مختصة بهواة البلابل ويلتقي فيها الخرسان ويجتمعون هناك للتسلية والتفاهم بالاشارات ، وكانت هناك مقاهي في الفضل وباب الشيخ تجرى فيها مباريات النطاح بين الكباش والمهارشة بين الديوك ، وكان هواة نطاح الكباش يهيئون كباشهم للنطاح على رهان معين يدفعه صاحب الكبش الخاسر ومن هواة الاكباش المرحوم علي الحبشي الاعظمي والد حسين علي الاعظمي .
5- من كتاب اللغة العامية البغدادية - د. مجيد القيسي
الگهوة أو ( المقهى ) غير الچايخانة ، إذ أن الگهوة اكبر حجما وتقدم فيها القهوة والنرگيلة عادة فضلا عن الشاي العادي والحامض. اما الچايخانة فيقدم فيها الشاي فقط. والگهوة ملتقى للجميع وخصوصا علية القوم. واول مقهى في محلة (قنبر علي) كانت (گهوة النقيب او إشكير) وهو رجل مكتنز الجسم وذو هيبة .
للمقاهي دورها وأثرها في حياة البغادة. فقد كانت (الگهوة) وبخاصة (گهوة الطرف) المنتدى الذي يحتضن أبناء الطرف جميعا. فكان يرتادها نهارا كبار السن والعاطلون عن العمل والشبان البالغون أيام العطل الرسمية. اما مساء فهي تعج بالرواد. فترى كل فئة تنتحي ركنا لها. فالوجهاء والتجار وأصحاب ألأملاك لهم (خانتهم) المميزة. والشباب لهم (خانتهم) أيضا. وكانت جميع الإجتماعات الحزبية تتم في (الگهوة). فتجد هنا مثلا إجتماعات الشيوعيين واليساريين عموما وبالقرب منهم (القوميون ألإستقلاليون) وإلى جانبهم (الوطنيون الديموقراطيون). ولا بد من القول بأن كل فريق سياسي كان يضم بينهم شبانا من جميع القوميات والديانات والطبقات ألإجتماعية. وبالرغم من ألإختلاف الفكري والسياسي بينهم لم يصادف ان حصل شجار شديد  بينهم أثناء المناقشات الحامية. وإذا ما إرتفع صوت أحدهم  فسرعان ما يلوذ بالسكوت حين يخزره أحد وجهاء (الطرف). ولم يكن غريبا أبدا ان تشارك كل فرقة في الإجتماعات والإحتفالات الحزبية الكبرى للفرقة الأخرى. فقد كانت الحياة سلسة وجميلة بحق رغم ضيق مسالك الحياة. وتتم في (الگهوة) عادة مناقشة المسائل والمشاكل العامة وعقد الصفقات التجارية والمالية وإجراء التسويات المختلفة. وبين هذه وتلك يتم تبادل النكات والطُرف والمقالب ألأخوانية. او ألإنصات الى دندنات زميل لإيضاح مقام او بستة او مربع او عتابة او أبوذية. وبين الحين وألآخر نسمع صوت صاحب المقهى وهو ينادي: (تعال أخُذْ تِتن من عمكْ أبو محمد). ويأتيه الجواب فورا ((جاكْ )).
وكان المقهى يؤثث بالتخوت والتخت هو الاريكة الخشبية ، و في المقاهي كان للتخت طقوس معينه . من ذلك ان وجهاء القوم كان واحدهم يستأثر بالتخت بمفرده او مع وجيه اخر ، فيجلسان في الطرف اي ( رأس التخت ) ومن ثم يضعون بجانبهم مقتنايتهم الشخصية ككيس التبغ الخاص بالنركيلة ومفتاح الدار وغيرها ، ومن طريف ما يذكر هنا قول احد المفاليس الذي حلم ان يصبح من الوجهاء فقال :

 لابد ما نغتني والفقر ما هوْ عيبْ ..... ونكعد براس التخت ونخرخِشك يا جيب

السبت، 19 أغسطس 2017

شارع الكفاح ..... معالم وشواهد الستينات 
احمد القيسي

في 25 كانون الأول 1936 جرى انجاز وفتح شارع غازي في عهد امين بغداد ارشد العمري.
في الستينات يمكن ان نقول ان شارع الكفاح ( غازي سابقا ) قد بلغ نضجه واكتماله واصبح في ذروة عزه
واصبح شارع الكفاح يأتي في المرتبة الثانية بعد شارع الرشيد من بين الاربعة شوارع التي تخترق بغداد القديمة والتي تبتدأ من باب المعظم وتنتهي في الباب الشرقي ، وصار ينافس شارع الرشيد في حركته التجارية لمروره في وسط محلات بغداد الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية . وتعمل على شارع الكفاح خطين لباصات مصلحة نقل الركاب ذات الطابقين الاول يبدأ من الباب الشرقي وعبر شارع الكفاح لينتهي في منطقة باب المعظم وكان رقمه 1/ 8 والخط الثاني يبدأ من الباب الشرقي عبر شارع الكفاح لينتهي في منطقة الاعظمية ورقمه 1/ 18 ، وكان هناك خط ثالث يمر بشارع الكفاح ويبدأ من باب المعظم ليصل الى ساحة زبيدة ويسدير عبر شارع الامين ويعبر الى صوب الكرخ ليصل الى منطقة العطيفية ويرجع عابرا فوق الجسر الحديدي الى باب المعظم وكان بالرقم 19 ، ولاننسى مرور خط الى منطقة الثورة برقم 39 حيث يستدير خارجا من الشارع عند ساحة النهظة .
ويمكننا ان نقسم الشارع الى ثلاثة اجزاء :
الجزء الاول وهو يبتدء من ساحة باب المعظم وينتهي بساحة زبيدة حيث يتقاطع مع شارع الامين المتعامد معه والذي يربطه باخويه شارعي الجمهورية ( عالية سابقا ) وشارع الرشيد .
الجزء الثاني وهو يبتدء من ساحة زبيدة حتى ساحة النهظة ( ساحة الوصي عبد الاله ) حيث يتقاطع مع شارع الهادي الذي يربطه باخوانه الثلاثة شارع الشيخ عمر وشارعي الجمهورية والرشيد .
والجزء الثالث يبتدء من ساحة النهظة وينتهي بالباب الشرقي حيث يصب في ساحة النافورة التي اطلق عليها لاحقا ساحة الحصان العربي بعد وضع نصب حصان فيها وتقع في منطقة الفناهرة العريقة .
والشارع في جزئيه الاول والثالث يضيق ولا يحتوي على جزرة وسطية  لسبب انه عند انشائه وشقه لم تتوفر التخصيصات المالية الكافية لتعويض ممتلكات المواطنين عليه .
 الجزء الاول يبتدء من ساحة باب المعظم حيث لم تكن هناك معالم مهمة عليه في فترة الستينات  ولم تكن بناية الاقسام الداخلية للطلبة قد انشأت في حينها حيث انشأت في بداية السبعينات ويستمر الشارع قاطعا محلة السور حتى يصل الى ركن يستدير عنده حيث هناك ساحة صغيرة كان يسميها اهل المنطقة ( ساحة المعدان )  وهنا عند استدارته يقع كراج لعجلات مصلحة نقل الركاب ويقابلها في الجهة الثانية اليمنى من الشارع محطة وقود ( بانزين خانه ) ، والفرع المجاور لها كانت ولازالت تقع تكية بيت الشيخ كمر الرفاعية  التي يتردد عليها الكثير من اهالي بغداد لكراماتهم ومكانتهم الدينية في المجتمع البغدادي .
 وبعدها تبتدء عمارات شارع الكفاح المميزة بأعمدتها الكونكريتية الاسطوانية التي تستند عليها وتشكل سقفا متصلا يغطي ارصفة الشارع ويحميها من الامطار شتاءا والشمس المحرقة صيفا ، واذكر في بداية الشارع كان هناك بيت قاريء المقام العراقي يوسف عمر حيث كثيرا ما كان يشاهد وهو جالس على كرسيه في الشارع العام ، بعدها بقليل يأتي حمام الكفاح بقسميه للرجال وللنساء ونستمر لننتقل الى الجانب الاخر من الشارع حيث هناك سينما مترو وكانت متنفسا كبيرا لشباب وصبيان المنطقة بما تعرضه من افلام المغامرات وكنا نقصدها في نهارات الجمع خصوصا على دور الظهيرة في الساعة الواحدة حيث نهرب من القيلولة المفروضة علينا من قبل اهالينا لنستمتع بتبريد قاعتها ونقضي اوقاتا سعيدة في شراء ما يلذ ويطيب لنا من محل المرطبات والدوندرمه المقابل لها في الجانب الاخر او لفات البيض والعنبة العراقية الشهيرة في مدخل السينما ، وكثرا ما كان يصحبني اخي الكبير اليها عندما كنت صغيرا ولا اقوى على الذهاب وحدي اليها او مع رفاق اللعب ، والسينما فيها قسم صيفي كانت العوائل تتردد عليه فارشة بسطها على الارض مع ما يصحبونه من مأكولات ومشروبات ايام الصيف ، ونستمر في هذا الجانب حيث يأتي مركز شرطة الفضل وبعده في نفس الجانب هناك قيصرية او سوق يسمى سوق المكينه حيث كانت هناك سابقا ماكنه طحين فيه ، وفيه يقع مطعم ( عنجر ) الشهير الذي كان سابقا مصارعا مشهورا وايضا تقع هناك مقهى المختار التي يلتقي فيها ختيارية الفضل وكان الشباب والصبية يتجنبون المرور بها احتراما لمن يجلس فيها من ختيارية المنطقة وايضا يلتقي في هذه المقهى لاعبوا الزورخانه وقراء المقام البغدادي ،  وبعدها يأتينا مدخل سوق الفضل و محلة خان لاوند وفيه تقع مدرسة الفضل الابتدائية العريقة وهي أول مدرسة ابتدائية أسست في العهد العثماني ، وعلى بابها عربة جهاد ابو الدوندرمة حيث يتجمهر الناس لشراء الدوندرمة اللذيذة والرخيصة منه وشتاءا يبيع حلاوته اللذيذة  ، وكان في مدخل السوق تباع كبة عم عم الشهيرة وبسعر 50 فلسا للكبة الواحدة وبالطريقة البغدادية المعروفة حيث تحفظ الكبة في قدر يحاط بقماش ويوضع في سلة من الخوص ، و في الجانب الاخر من الشارع يوجد مدخلان لفرعين احدهما يؤدي الى محلة تبة الكرد وشارع الجمهورية ( الملكة عالية سابقا ) والفرع الاخر يؤدي الى ما يعرف ثلاث دكاكين وعلى راس هذا الفرع يوجد جامع الفضل وهو جامع قديم العهد ويرجح انه أنشئ عند قبر الفضل بن سهل بن بشر الشافعي الواعظ البغدادي المتوفى سنة 548 هـ وقد جدده والي بغداد (سليمان باشا الكبير) سنة 1210هـ الموافق 1795م  او يقال بانه قبر الفضل بن الربيع مربي الخليفة الامين . ويقال ايضا انه الفضل شيخ جليل وعالم دين وصاحب مدرسة اسمه محمد بن رشيد وهو من القيسية، ولد في قرية اسفران جنوب مكة ودرس علوم الفقه والشريعة وصار عالم دين وفقيها، وكانت له مدرسة خاصة به تسمى بالمدرسة التاجية نسبة الى والي بغداد آنذاك تاج الدين وتوفي الشيخ الجليل الفضل العام 1200 هجرية ودفن الى جانب مدرسته وفي عام 1209 هجرية تم بناء هذا الجامع وسمي بالفضل، نسبة الى الشيخ محمد الفضل وتم افتتاح هذا الجامع العام (1211) هجرية. 
بعدها في الجانب المقابل للجامع يأتي سلم يؤدي الى منطقة السيد عبدالله وهي فيها قبر احد السادة من ال البيت وسميت المحلة على اسمه ، ومن ثم تأتي منطقة المهدية التي سميت على اسم العشيرة التي تسكنها من المهداويون ومنهم (ابن خالة الزعيم قاسم ) الضابط الشهير فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الثورة بعد ثورة تموز على العهد الملكي .
وفي الجانب الاخر من الشارع تأتينا منطقة الحمام المالح حيث يقال بانه كان فيها حماما يأخذ ماءه من بئر مالح ماءه وسميت المنطقة عليه ومن ثم بعدها منطقة الست هدية ، لينتهي الشارع وجزئه هذا في ساحة زبيدة التي سميت على اسم والدة الخليفة الامين زوجة هارون الرشيد ، وفي الساحة هناك دائرة مهمة فيها هي ضريبة دخل بغداد وعندها منطقة مصلحة نقل الركاب حيث يمر منها خط رقم 19 الذي يعبر الى صوب الكرخ ليصل الى مستشفى الكرخ الجمهوري ويستدير ليرجع على الجسر الحديدي .....
الجزء الثاني من شارع الكفاح يبتدء من ساحة زبيدة هذه الساحة الفسيحة التي ابتلعت اجزاء كبيرة من محلات بغداد الشعبية مثل محلات المهدية والست هدية وقنبرعلي ومنها يبدأ شارع الامين المتجه الى شارعي الجمهورية والرشيد ، وفي ركن الساحة الجنوبي على الجانب الايسر يقع اهم معلم من معالم المنطقة الا وهو جامع قنبرعلي الشهير والذي اخذت المحلة المحيط هبه تسميتها منه وفيه قبر من يدعى قنبرعلي يقال انه ابو طالب نصر الملقب بقنبر بن علي حاجب الخليفه المستضيء بأمر الله سنة 571 هجريه وهذا الحاجب كان عندما يركب فرسه ويتجول في بغداد يظهر انحاء ظهر (قنبوره) واطفال بغداد خلفه يصرخون قنبر قنبر استهزاءا به وعندما وصل الخبر للخليفه وعزله وبعد موته دفن في هذا المكان لانه جزء من مقبرة ابروز العباسيه .
وبعد الساحة يصبح شارع الكفاح عريضا وتكون له جزرة وسطية مبلطة بالشتايكر وفيها اعمدة انارة جميلة متقنة الصنع تتفرع في الاعلى على جانبي الشارع لتوزع الانارة فيه بشكل متساوي وجميل .
واول ما يصادفنا على جهة اليمين من الشارع مدخل سوق قنبرعلي وهو سوق مركزي يضاهي سوق الفضل وسوق الصدرية في ما يحتويه ويشتمله  ويقابله في الجانب الايسر مدخل محلة البومفرج ، ونستمر في شارع الكفاح حتى نصل الى التقاءه بشارع السباع  وفي ركن الالتقاء هناك تانكي الماء العالي هذا المعْلم الذي كان شاهدا على الكثير من الاحداث في مرحلة الستينات والسبعينات ، اذ كان هناك عدد من الدكاكين اسفله تطل على ركن الشارع وهذه الدكاكين استخدمت لعدة اغراض على مر الزمن ، وبعد قيام انقلاب شباط البعثي في سنة 1963 اصبحت مقرا لمنظمة الحرس القومي تلك الميليشيا البعثية التي تشكلت لحماية الانقلاب البعثي الذي لم يستمر طويلا اذ سرعان ما انقلب عليهم شريكهم في الانقلاب العميد عبد السلام عارف وانزل دباباته في شوارع بغداد لقمع مقاومة منظمة الحرس القومي البعثية وكان ان اشتبك الجيش في قتال مع هذه المنظمة وحدث ان احد اطلاقات الدبابات الموجهة الى مقر المنظمة اصابت تانكي الماء هذا وفتحت فيه فجوة تدفق منها الماء الى شارع السباع المجاور وشكل سيلا خضنا به فرحين ونحن صغار .
وفي الركن الاخر من مدخل شارع السباع يقع مصرف الرافدين فرع السباع ويجاوره مباشرة مدخل محلة البوشبل الشعبية ويقابلها في الجانب الاخر من الشارع مدخل سوق حنون الذي يشكل امتدادا لسوق قنبرعلي ويتواصل مع عقد الدجاج الذي يؤدي بدوره الى محلة التوراة .
ونستمر في شارع الكفاح بعد سوق حنون حتى نصل الى مدخل محلة ابو سيفين على الجانب الايسر منه وهي محلة كبير وعريقة ويوجد فيها ضريح لاحد الاولياء وسميت على اسمه ويقال انه احد الضباط العثمانيين اللذين قاتلوا مع الجيش العثماني الذي فتح بغداد ايام السلطان مراد الرابع وكان يقاتل بسيفين وقتل ودفن في تلك المنطقة .
وفي الجهة الاخرى من الشارع كان هناك محل حلويات اصحابه فلسطينيين كثيرا ما كنا نشتري منه الحلويات وخصوصا ايام رمضان ، وعلى ذكر الحلويات كان هناك عدد من المحلات في شارع الكفاح فاتنا ان نذكر واحد منها في منطقة الفضل والاخر في منطقة عكد الكرد وهو حلويات جواد باقر الشكرجي الشهير .
ونستمر في الجانب الايمن من الشارع حتى نصل الى مدخل الشورجة وهي منطقة توزيع وبيع بالجملة للفواكه التي تتوارد عليها من مناطق ديالى واطراف بغداد .
يبقى شارع الكفاح عريضا ومسورا بعماراته السكنية الجميلة حتى نصل الى ساحة النهظة وفي منتصف الساحة تقع سينما الفردوس الشتوي تمييزا لها عن سينما الفردوس الصيفي التي تقع على مسافة منها في شارع الهادي المؤدي الى شارعي الجمهورية والرشيد ، وكانت هذه السينما متنفسا مهما لابناء المنطقة وكثيرا ما ترددنا عليها صغارا وشكلت جزءا كبيرا من مخزون ذكرياتنا ، اذ كان يفترش مدخل السينما بائع مجلات مستعملة كنت اقصده دائما لشراء المجلات وارجع الى بيتنا متلهفا للوصول كي اقرأها وكثيرا ما كنت اقرأ بعضها وان امشي في الطريق .
في ساحة النهظة تجمع لمقاهي عديدة منها ( كهوة غازي ) في الركن الجنوبي الايمن وهو مقهى مغلق يقابله مقهى على سطح بناية في الجانب الثاني لمدخل شارع الهادي وهو مقهى صيفي يطل على ساحة النهظة وهناك مجاور لسينما الفردوس ايضا مقهى شعبي اخر اصغر من الاثنين السابقين وهو مقهى لابناء المحلة المجاورة .
وفي ساحة الفردوس التي كانت ساحة واسعة وجميلة هناك موقف لباصات المرسيدس ذات الثمانية عشر راكبا وهي تنطلق باتجاه مدينة الثورة وشارع فلسطين وموقفها في الركن الجنوبي الايسر .
وهناك مقهى في الركن الجنوبي الايمن يفترش عصرا في جزء من الساحة وهو لاناء مناطق عكد الكرد الفيلية .
شارع الكفاح بعد ساحة النهظة يرجع ليكون ضيقا وبدون جزرة وسطية حيث نستمر في الجانب الايسر منه حتى نصل مدخل محلة عكد الكرد الفيلية وهذه المحلة صارت تجمعا لابناء المكون الفيلي من شعبنا وكانوا من انصار الزعيم قاسم بالمطلق ولا اعلم لماذا كان اندفاعهم نحوه ؟ ربما بدافع كونه كان شعبويا ويقال ايضا بان امه ( كيفية حسن ) من الفيلية وربما لكون الكثير منهم كانوا من الشيوعيين الذين دعموا نظام قاسم الوطني الذي عاداته التوجهات القومية في حينها بالرغم من مواقفه الكثيرة ذات الصبغة القومية فهو دعم بشكل كبير ثورة الجزائر وقوى علاقته بالنظام الانفصالي السوري وطالب بضم الكويت .
وكان لهؤلاء الفيلية موقفا كبيرا في نصرة قاسم عند الانقلاب عليه في شباط 63 حيث قاموا بمقاومة مسلحة تم قمعها بالنار والحديد من قبل الانقلابيين وقصفت محلة عكد الكرد بقذائف الهاونات والدبابات واستشهد الكثير منهم .
في مدخل الفرع الداخل الى عكد الكرد كان هناك  مجبر الكسور المعروف ( الحاج شكر ) وتوارثها اولاده من بعده ، وايضا هناك مجبر اخر ( الحاج احمد المجبرجي ) وهو من الفيلية ، و يهرع الناس اليهم في حالة حصول أي كسور لديهم حيث كانوأ ذو خبرة كبيرة  .
وايضا هناك الملا جواد الذي تلجأ الناس اليه لعمل الادعية لاطفالهم . .
بعد عكد الكرد يأتي محل اشهر حلويات في بغداد ايامها انها حلويات ( جواد باقر الشكرجي ) والذي كان له فرع اخر في الباب الشرقي مدخل شارع السعدون ( الصورة المرفقة ) وهو يغطي مناطق شارع الكفاح بالحلويات حتى ايام رمضان عندما يزيد الاقبال عليها وحلوياته مميزة وذات نكهة خاصة تتفرد بها .
ونتقدم في شارع الكفاح في هذا الجانب الايسر حتى نصل الى ضريح ومزار الشيخ عبد القادر الكيلاني ومحلة باب الشيخ التي تتواصل وتتصل بعكد الكرد ، ويشكل ضريح الكيلاني اهمية لاهالي المنطقة كافة دون النظر الى طوائفهم حيث يزار ضريحه ويقدس من قبل جميع الطوائف والاعراق فتجد عندما تدخل الى صحن المزار الكثيرين يفترشون الارض والدكات والاواوين المنتشرة حول الصحن التي شغلت من قبل الزوار المستديمين القادمين من الهند والباكستان حيث يكون للشيخ مقاما كبيرا لديهم لاعتقادهم بانتماءه لهم !
وبعد الضريح هناك مبنى الشوربخانة العائدة الى وقفية الشيخ والتي يتم فيها يوميا اعداد كمية كبيرة من الشوربة الغنية باللحم ليأكل منها الزوار واهالي المنطقة الذين يذهبون بجداريهم اليها لتملأ لهم بدون حساب .
في الجهة المقابلة للشيخ الكيلاني على الجانب الايمن يوجد شارع يؤدي الى محلة الدسابيل نسبة الى من سكنها من القادمين من منطقة ( ديسبول او ديزفول ) في الاحواز العراقية او كما يقال نسبه الى وجود سبيل الماء فيها وجمعها تسابيل ،  ومن ثم تؤدي الى جامع الخلاني الشهير .
ونستمر بالجهة اليمنى من الشارع حتى نصل الى محلة فضوة عرب العريقة التي تتوزع على جانبي الشارع والتي اخذت اسمها من مكان واسع لبيع الاغنام لصاحبه عرب ، لتأتي بعدها محلة الفناهرة التي اشتهرت بصناعة ادوات واثاث من جريد النخيل وهذه المحلة ضاع قسم كبير منها في نهاية شارع الكفاح والساحة المقامة في نهايته والتي كانت تسمى ساحة النافورة وكانت ساحة جميلة تحتوي على نافورة مياه كبيرة وبعد الساحة على الجانب الايسر هناك موقف للسيارات العاملة على خط شارع الكفاح باب المعظم وهي من نوع دوج ستيشن قديمة ذات هيكل ( بودي ) خشبي وتأخذ عدد اكبر من الركاب وكان سكنها ( مساعد السائق ) يجلس على تخته (مقعد متحرك ) خشبية قرب الباب الخلفي لها والركوب فيها بسعر ينافس مصلحة نقل الركاب 20 فلسا للنفر الواحد .
انتهى شارع الكفاح عند ساحة النافورة لتبتديء بعدها منطقة الباب الشرقي وساحة الطيران .
___________________________________

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

عصافير النبكة ( 2 )
احمد القيسي

في اواسط الاربعينات وبعد ان شقت الدولة العراقية الحديثة شارع الكفاح الذي ابتلع اجزاء كبيرة من طرف البوشبل وفصله عن امه محلة قنبرعلي وامتداداتها في سوق حنون الكبير والصغير وعكد الدجاج ، جاء فصل اخر ليستقطع اجزاء اخرى من محلتنا وليتم القضاء على جزء كبير من الدهدوانة وانسيابيتها باتجاه مركز قنبرعلي ، والفصل الجديد كان شق شارع عرضي يربط شارعي الكفاح والشيخ عمر ، لينساب بعد اختراقه محلتنا الى فضاء خالي في منخفض النزيزة ومنه الى شارع الشيخ عمر الذي تنتهي عنده حافات محلات بغداد القديمة حيث كان يتكون عنده مجرى لتسريب مياه الصرف الصحي لهذه المحلات ابتداءا من الجوبة الى عزة الطوالات وقرة شعبان الى الخالدية والطاطران حتى الميزرة (المجزرة ) وهكذا باتجاه جنوب بغداد بموازات سورها الشرقي القديم وكان يطلق على مجرى مياه الفضلات هذا اسم ( شطيط )، والذي تم ردمه عند انشاء شارع الشيخ عمر السهروردي وكان ما بعده خلاء واسع حتى السور والمقبرة التي عنده وكان اهلنا يطلقون على هذا الخلاء ( الجول ) وهي كلمة تركية تعني ذلك .
لكن شق شارع السباع لم يعد بالسوء على محلتنا فقط وانما كان فيه خيرا ايضا ( وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) اذ ان حكومة العهد الملكي حكومة بناء وتمتلك مشروع لبناء الدولة العراقية الجديدة على احدث نظم ذلك العصر ، فكان ان استدعت فنانا ايطاليا ليقوم بتصميم حدائق غناء في مكان النزيزة المجاورة لمحلتنا ويتوسطها نصب سباع مستوحى من قصر الحمراء في غرناطة الاندلس طبع هذا النصب اسمه على الشارع الذي شق حديثا فصار شارع السباع وكانت حدائق السباع الجميلة في قلب بغداد القديم المتهالك تنعشه وتبعث فيه الحياة .
ارتبطت حدائق السباع بمحلتنا ارتباطا روحيا فكانت تعويضا لجزءها الذي فقدته بعملية شق شارعي الكفاح والسباع ، وما ان تذكر اسم محلتنا حتى يذكر شارع السباع وحدائقه الغناء ، وصار اهل المحلة يترددون على هذه الحدائق صغارهم وكبارهم نسائهم ورجالهم .
5- لحدئق السباع تأثير كبير على نفسية اهالي محلتنا ، حمل تطور البنية التحتية للدولة العراقية الكثير من التأثيرات على نفسية المواطن العراقي المعتمة التي لم تكن تعرف الا الموت والدمار بالحروب والكوارث الطبيعية والامراض ، كثير من اهالي المحلة فقدوا اعزاء عليهم فذاك الذي ذهب الى معارك الدولة العثمانية مثل (دكة الغربية ) وتسميات اخرى ولم يعودوا وان عادوا فهم يعودوا بخفي حنين لا تقييم ولا اهتمام وربما حمّلوا بعوق او عاهة مستديمة  ، وربما فقد البعض الاخر اعزائهم في الفيضانات المتكررة على بغداد او في انتشار الامراض اثرها أمثال الطاعون او الكوليرة او حتى الحصبة ، وتغير الحال بتكوين الدولة العراقية الحديثة ووجود نيات صادقة للتطور وتوفير الخدمات للمواطنين .
وما انشاء الشوارع وتبليطها وزراعة الحدائق في ارجاء المدينة الا سعي صادق للتطوير ، واضافة الى حديقة السباع كانت هناك عدد من الحدائق في زوايا وساحات اخرى قريبة ومنها حديقة مجاورة لمستوصف كان يطلق الاهالي عليه ( مستشفى الحليب ) كونه كانت فيه رعاية للحوامل والاطفال ويوفرون فيه تغذة صحية للاطفال الرضع حليب مجفف او طازج وتقع في نهاية محلة الطاطران المطلة على شارع الشيخ عمر وحديقة اخرى في ساحة صغيرة عند باب الشيخ تتوسط شارع الشيخ عمر و زاوية عند مستوصف الفضل الذي صار لاحقا مستشفى الطواريء .
وانشئت مستشفى السباع في طرف ساحة السباع الشرقي مطلة على حدائق السباع الغناء وهذه المستشفى في هذه المنطقة الشعبية كان لها دور كبير في حياة اهالي محلتنا والمنطقة عموما لما وفرته من رعاية صحية في متناول اليد وكثير منا حصل على خدمات هذه المستشفى .

كانت الحدائق والاعتناء بزراعتها تبهر الشباب والكبار، والكثيرين من اهالي محلتنا تصوروا فيها ، وكان للحدائق عدد من العاملين على ادامتها وحراستها ولقد مر علينا في مواضيع سابقة الكلام عن حارسها العتيد ابن محلتنا الشخصية الاسطورية ( ابو خرمة ) ، وعند مجيء عيد زكريا الذي يواضب اهل محلتنا على الاحتفال فيه كانت النساء تتقاطر على حدائق السباع للحصول على اغصان نبات الياس الذي لا تكتمل صينة الزكريا الا به ، يزينّ به الصواني مع الشموع ليرسل رائحته الزكية في ارجاء الاواوين ، لكن ابو خرمة لهن بالمرصاد ان لم يستأذن منه ويبدين ضروب الاحترام .
عصافير النبكة
احمد القيسي
1- العرب اهل صحراء
عندما دخلوا العراق لم يستسيغوه في البداية وخاف عليهم قادتهم ان تتغير طباعهم البدوية المكتسبة من عيش الصحراء وان تسترخي اجسامهم وتترهل باجواء العراق حيث الظلال والخضرة وكثرة المياه ومن ورائهم ثمة جهاد وفتوح .
حتى الجياد العربية معروفة بصغر حجمها ورشاقتها وخلوها من الشحوم ، هكذا كانوا ....
وكان ان انشأوا معسكراتهم ومدنهم على اطراف الصحراء ليبـقـوا يتنسمون هوائها الجاف الصافي فكانت الكوفة والبصرة ....
لكنهم كسروا هذه القاعدة عند استقرار دولتهم وتمددها الى اطراف العالم القديم وتذوقهم حياة البذخ والرفاهية لكثرة الخراج والواردات فكان ان بنوا عاصمتهم في وسط الخضرة والمياه في اراضي كلواذة بين النهرين العظيمين دجلة والفرات.
نرجع الى موضوعنا الرئيس
اهل محلتنا البوشبل الكروية القيسية ذوي اصول بدوية حملوا عاداتهم معهم عند توطنهم في بغداد فكانوا على اطراف العمار فيها لذلك سموا سكنهم ( الطرف ) فكانوا طرفا لمحلة قنبرعلي العريقة التي كانت مركزا لعدد من الاطراف وتحوي سوقهم وجامعهم ومقاهيهم ومدارسهم ...
وكان ما بعد طرف البوشبل خلاء يمتد حتى سور المدينة عند مقبرة الوردية التي وهبت ارضها للشيخ السهروردي ودفن فيها وصارت الناس تدفن موتاها هناك تبركا به ...
والكروية عندما وطنـّوا في خاصرة العراق أيام سليمان القانوني و أيام حفيده مراد الرابع كان توطينهم في اراضي حمرين الجرداء ونازلا منها حتى اطراف مندلي ، قليل من هذه الاراضي تحوي بساتين وظلال منها منطقة قزلرباط ( السعدية ) وجلولاء وقرة تبة تلك الرابيه في وسط محيط اجدب من سلاسل حمرين التي تبدوا من بعيد كعلامة سوداء فسميت بالربوة ( تبة ) والسوداء ( قرة او كارا )
  صورة حمود النجم الكروي القيسي 1890
 2- البوشبل التي انشأت بيوتها على ربوة عالية تنحدر من جهة بأتجاه محلة قنبرعلي وهذا المنحدر يسمى ( الدهدرينة ) وتتوزع البيوت على جانبيه ليصب قي نهايته بسوق قنبرعلي ومحلات الباعة فيه ، ومن الجهة الاخرى تطل البوشبل على منخفض بسمى ( النزيزة ) ترشح فيه المياه الجوفية تاركة عند تبخرها الاملاح المتزهرة حيث يتوارد عليها من يجمّعها ويجففها ليستفاد منها في اعمال كثيرة .
كانت البوشبل قبل استيطان الكروية فيها مجمعاً لابناء عشيرة ( آل أبو شبل ) كما هو حال محلات بغداد المتطرفة التي نشأت في مراحل متأخرة من تاريخ بغداد والتي سميت باسماء العشائر التي سكنتها ولم تسمى باسماء أماكن او معالم او مهن او صفات معينة  ، حالها حال طرف ( ال أبو مفرج ) نسبة لعشيرة من القيسية وحال طرف العزة نسبة لعشيرة العزة  .
حمل الكروية معهم اساليب حياتهم التي كانوا عليها قبل مجيئهم الى حاضرة بغداد ولزموا تقاليدهم التي كانوا عليها واولها عصبيتهم القبلية ، و تفاخر رجالهم بامجاد القبيلة و تاريخها واحتفظوا باسيافهم ورماحهم العوالي وشاراتهم ونياشينهم وتفاخروا بالقابهم التي اغدقتها عليهم الدولة العثمانية العلية جراء اعتمادها عليهم في فتوحاتها فكان منهم البيجات ( البيكات ) وكان منهم الاغوات  ، وظلت نسائهم يمسكن بيوتهن ويقرن فيها يغزلن الصوف وينسجن منه لباسهم وان خرجن الى غاية ما سترن انفسهن بثلاث عباءات من الصوف واحدة تلف على الرأس واخرى ترتدى على الاكتاف والاخيرة تغطيهن من الرأس الى القدم فلا يكاد يبان منهن ملمح .
ولا يكاد بيت يخلو من تراثهم فتجد ادواتهم المنزلية التي كانوا يتعاملون بها في مرابع العشيرة من بسط وفجج الصوف و لولات الريش والمشربات والصواني والقدور النحاسية و قرب الماء وشجوة اللبن وعكة الدهن الحر والجاون الخشبي .
3- على تلك الربوة لم تكن هناك فسحة في الارض تسمح بانشاء بيوت واسعة لعوائل الكروية التي استقرت هناك وانشأت درابينها الخاصة حيث كانت المحلة مقتصرة على دربونة او اثنتين تسكنها عوائل الشبالوة القديمة وعدد من عوائل اليهود ، مما جعل الناس تمتد في سكنها على منحدرات الربوة وحافاتها نزولا الى الاجزاء المنخفضة باتجاه محلتي الخالدية والطاطران ، تداخلت البيوت باشكال هلامية فكان للبعض منها مجاز طويل ينتهي بفسحة الحوش او قد يكون المجاز قصيرا او يكون بلا مجاز ، اما فسحة الحوش التي تتوزع غرف المنزل حولها فبعضها صغيرة بالكاد تسمح بدخول اشعة الشمس وقليل من البيوت احواشها كبيرة واسعة ، وكان لبعض البيوت اطلالات على جيرانهم بشباك او اكثر ولم يكن هذا الشيء مكروها خصوصا اذا عرفنا ان كثير من المتجاورين تجمعهم قرابة ونسب ، وفي الغرف التي لم يكن لها اطلالة او شباك على حوش الدار كان لها فتحة في السقف تسمح بدخول اشعة الشمس لتنير الغرفة الدجية ومداورة الهواء داخلها وتسمى هذه الفتحات ( سماية ) ، كانت غرف بيتنا الداخلية تحوي هذه السمايات و كنت استمتع بمراقبة شعاع الشمس الداخل عبرها تتراقص فيه ذرات يحملها هواء الغرفة الساكن ويدور الشعاع حول ارجاء الغرفة بدوران الشمس وتغير موقعها ليرسم عالما سحريا على الجدران العتيقة للغرفة ، وايضا كنت اتابع هذا الشعاع في الطبكة الخشبية القديمة التي كان يستلقي فيها جدي منعزلا بعيدا يغرق في صمته وظلمته ، ويزيد في سحر المكان تراقص دخان السكائرالذي ينفثه جدي في شعاع الشمس الساقط من تلك السماية .
صورة حمود النجم الكروي القيسي اول مختار لمحلة البوشبل

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2016


تكون العقل اليهودي العراقي عبر التاريخ

نشرالسيد (ابراهيم حمزة) في صحيفة (ايلاف) مقالا بعنوان ( هل انتهى عهد الغرام اليهودي باللغة العربية ) بتاريخ 20 تموز ، 2008 اثار فيه عددا من المسائل المهمة يمكن تلخيصها بصيغة تساؤلات من مثل : لمِ َهجر الكثير من الكتاب العرب الأسرائيليين اللغة العربية والتجأوا الى اللغة العبرية لكتابة نتاجهم الفكري ؟. و سؤال مقابل : ولمِ َظل كتاب يهود اسرائيليون متمسكين بالعربية رغم ان قراءها في اسرائيل يتناقصون باستمرار؟. ثم عرج الى مسألة أخرى حيث تساءل فيها السيد (خالد القشطيني ) عن السبب في فشل الكتاب العراقيين في إيجاد جسور بينهم وبين المحيط الفلسطيني العربي . فرأى ان العرب الفلسطينيين نظروا اليهم كمغتصبين لإرضهم . كما ان اليهود الأشكناز ( الغربيين) كانوا يشككون بولائهم التام لدولة إسرائيل ولأن معظمهم كان ذا ميول (ماركسية اوتقدمية ) مما دفعهم لتغير مواقفهم لأثبات ولائهم للدولة . ثم طرح مسألة في غاية الإهمية وهي تحول كتاب عرب من الكتابة بالعربية الى العبرية فاستشهد بالكاتب السيد ( نبيل عودة) الذي قدم لنا نظرية خاصة به لكنه تمنى ان تصبح نظرية لغوية شاملة ، ومفادها ان اللغة العبرية اكثر تطورا واكثرقدرة على تفهم اللغات ألأخرى.

وسوف نناقش المحورالأول المتصل بالخلفية التاريخية والثقافية لليهود العراقيين ، تلك التي صاغت فيما بعد شخصيتهم اليهودية / العراقية المتميزة ومن ثم تواجدهم وسلوكهم وتأقلهم في بيئة حياتية جديدة. ولكي يطلع القارئ الكريم على العوامل التأريخية والفكرية والإجتماعية التي فعلت فعلها في تشكيل شخصية المواطن اليهودي العراقي ينبغي ان نستعرض باختصار ظروف حياته الماضية منذ وجوده التأريخي الأول وحتى استيطانه في اسرائيل .

يرجع وجود الطائفة اليهودية في العراق الى زمن بعيد حين قام (نبوخذ نصر) بأسر اعداد كبيرة منهم وسبيهم وجلبهم الى دولة بابل ، وذلك في القرن الساس قبل الميلاد . ثم قام القائد الفارسي كوروش بعد ذلك باحتلال وتدمير دولة بابل عام 538 ق.م فاعاد قسما منهم الى فلسطين ، بينما بقي القسم الاعظم في العراق سنوات طويلة فعاشوا تحت ظل الحكم الساساني الفارسي والحكم الاغريقي اكثر من عشرة قرون وحتى الفتح الاسلامي ، بداية القرن السابع الميلادي . وفي بابل كتب احبار اليهود التلمود البابلي المعول عليه كثيرا . حتى ليقال مجازا بان الديانة اليهودية ديانة بابلية . وكان هذا العامل احد دوافع تعلقهم بتراب العراق الى جانب وجود انبياء لهم مثل النبي ابراهيم الذي عاش في مدينة (أور) قرب الناصرية والنبي (حزقيال) او (ذو الكفل) ومرقده في قرية (الكفل) حيث يزوره المسلمون ايضا ، وكذلك ( عزرا) الكاتب ومقامه في منطقة (العزير) في جنوب العراق ، والكاهن (يوشع) في جانب (الكرخ) . ولقد سارت حياتهم بسلاسة وهدوء نسبي حتى مغادرتهم العراق بعد قيام اسرائيل عام 1948. 

لقد عاش اليهود في ظل الدولتين الأموية والعباسية حياة كريمة . فقد قدمت لهم الدولة الحماية والرعاية في مقابل الخدمات الكبيرة التي شاركوا هم بها . يقول الرحالة اليهودي بنيامين القطيلي حين زار العراق في القرن السادس الهجري بان اليهود الذين تجاوزعددهم ألأربعين الفا كانوا يتمتعون بحياة مرفهة كريمة وكانوا يمارسون اعمالهم التجارية والحرفية بحرية تامة . وكانت لحبرهم الاكبرحظوة خاصة لدى الخليفة العباسي . وقد ساعدهم على تبوء تلك المنزلة التزامهم بقيم المواطنة والتصرف بحكمة في تناول الامور. وكان فيهم الحكيم والطبيب والصيدلي والمترجم والمعلم والتاجر والمالي . و فيهم ايضا الصناع والحرفيون المهرة . وهذه كلها عوامل تجعلهم جزأ فاعلا في المجتمع واساسا لأحترام متبادل بينهم وبين غالبية السكان من المسلمين وبقية الطوائف الأخرى . وحتى في احلك الظروف ، يوم حكم العراق المغول والتتر والأتراك والمماليك وتعرضوا الى الإبتزاز والإرهاب لدفع الخاوات الى الولاة ورؤساء الشرطة والمحتسبين والأشقياء تجدهم قد تصرفوا بحكمة وحنكة وصبر لتجاوز المواقف الصعبة . وتروىَ عنهم روايات وطرائف كثيرة تدل على تمتعهم بتلك الخصال الفريدة التي مكنتهم من النجاة بأنفسهم حين تعرضوا الى مخاطر. فقد عركتهم التجارب والمحن وزودتهم بقدرات فريدة على استشعار الخطر قبل وقوعه . فكانوا شديدي الحذر ويعملون في كتمان شديد وتمويه ذكي يحسدون عليه . والغرض من ذلك هو لصرف وتشتيت اذهان من يريد بهم شرا . وقد اثار مثل هذا العمل حفيظة المتعاملين معهم بل وحتى اقرب اصدقائهم من المسلمين إذ يحسبون ذلك عرضا من الشك وانعدام الثقة بالآخرين .

واليهود شأنهم شأن اية اقلية تعيش وسط اكثرية لها عقيدتها وثقافتها ولغتها السائدة ينبغي عليها ان تتفاعل ايجابا مع محيطها الحيوي ، فتأخذ ما تراه نافعا لها وللمجتمع ، وفي الوقت ذاته تجد نفسها مطالبة بتقديم ما لديها من قدرات وطاقات خلاقة يفيد منها المجموع ، ولتظل على الدوام موضع ثقة . ولعل العراقيين يتذكرون اول وزير مالية عراقي وهو (ساسون حسقيل) الذي استجاب لنداء الواجب الوطني عام 21 ليشغل ثاني اكبر منصب سياسي/ اداري في المملكة الفتية.

وعلى العموم ، فقد عاشت الطائفتان المسلمة واليهودية في تكامل وتكافل ووئام ، وأحيانا وكأنهما طائفة واحدة متجانسة ، كما حصل في عدد من التجمعات السكانية الكبرى في بغداد (ابو سيفين والبو شبل وقمبرعلى والبتاويين) و كذلك في الحلة والبصرة والعمارة.

وقد نجانب الصواب لو قلنا بانه لم يحصل ما يعكر صفو تلك العلاقة المتوازنة طيلة آلاف السنين من العيش المشرك . والواقع انه قد حصلت هنا و هناك حوادث مؤلمة ، او حتى مظالم قاسيية ، لكنها لم تترك آثارا غائرة في النفوس ، لأنها لم تكن بسبب خلافات عقائدية اودينية عميقة ، وانما حصلت لأسباب عارضة او مفتعلة ، لذلك تم تجاوزها بتعاون حكماء الطائفتين . فالإحتكاك بين الطوائف المختلفة او التمييز بينها على اساس الدين او القومية او اللون ظاهرة مألوفة . بل وقد تجدها حتى ضمن الطائفة الواحدة.

وقد نذكر مثالا ما يزال حيا في ذاكرة العراقيين وهو ما حصل أثناء قيام حركة (رشيد عالي الكيلاني) من مآس نالت بأذاها كلا من اليهود والمسلمين على حد سواء ، تلك الحركة التي اتسمت بالغلو القومي وبالنفور من الطرف ألآخر واحتقاره احيانا . وقد رفعت تلك الحركة شعار مقاومة النفوذ البريطاني الذي كان مطلبا عاما. ثم انحرفت باتجاه التحالف مع المانيا النازية متصورة بانها بذلك ستعزز من رصيدها بين الناس . 

وبعد تفجير تلك الحركة وانطلاق اول رصاصة منها أندفعت فلول العسكر المرتبك والعصابات المنظمة والغوغاء وبسطاء الناس . فعمت الفوضى بعض مناطق بغداد وخصوصا تلك التي تقطنها الطائفة اليهودية بإستثناء البعض منها حيث قام المسلمون بحمايتهم والحفاظ على ممتلكاتهم وأموالهم كمحلة (البو شبل) مثلا . كما قامت عوائل مسلمة كثيرة بحماية جيرانهم واصدقائهم من اليهود هنا وهناك مما يتعذر حصره . وقد ساعدت تلك الهمة القعساء على تقليل الخسائر البشرية بين المواطنين اليهود الى حد كبير .

وقد سعت بريطانيا وانصارها من الطائفتين والوصي على العرش(عبد الإله) والساسة الموالين له والذين سبق وان تخلصوا من الملك الشاب (غازي) على اثرحادة مريبة ، وكذلك انصار المعسكر المناهض ، وعلى رأسهم جماعة (الكيلاني) ، للتحريض على الإقتتال وسفك الدماء ونهب ممتلكات اليهود ولأشعال فتنة طائفية شاملة تطال طوائف أخرى كما شاع في حينها ، وذلك سعيا وراء مكاسب سياسية لاتخفى على المراقب المحايد . هذا فضلا عن ألإساءة الى الشعب العراقي وتأليب العالم عليه. وقد اطلق على تلك الاحداث المأساوية اسما مثيرا وهو (الفرهود) ، إذ راح ضحيتها ما بين 150 ـ 200 شخص واصيب اضعاف هذه الأعداد بحسب تقديرات المؤسسات المختصة يومها . كما تم تدمير ونهب الكثير من الممتلكات الخاصة باليهود وبعض المرافق الحكومية . وقد انتهز اصحاب الثارات الشخصية هذه الفرصة النادرة للإنتقام والإقتصاص من اعدائهم ، فقام نفر من هؤلاء بالوشاية بأعدائهم الأبرياء لدى الإنكليز والسلطة المحلية ، وقيل بأيحاء منهما ، لفرض الأمن بالقوة ونشر الخوف وتعزيز هيبة الحكومة الجديدة ، حيث تم القاء القبض عليهم واعدامهم بعد محاكمات سريعة . وقد اثار هذا الفعل غضب واستنكار العراقيين في حينه . وقد علق البعض بأنه كان على القوات البريطانية ، إن كانت جادة ، ان تبادر الى مثل تلك الإجراآت الحازمة قبيل تفجر الأحداث لدرئ وقوعها .

والحقيقة ، فان المنتفع الأول من آثام تلك الحركة الإجرامية الطائشة هم البريطانيون والسلطة القائمة والحركة الصهيونية بخاصة والتي استثمرتها سياسيا الى آبعد مدى ، فجعلت منها واحدة من النكبات التأريخية الكبرى . وقد ظهرت انعكاساتها وارتداداتها المتلاحقة بعد عام 50 ، حيث بدأت التفجيرات هنا وهناك ، فواكبتها حملة توزيع منشورات او دعوات شفهية من المنظمات الصهيونية في دور العبادة والمقاهي تطالب اليهود بمغادرة العراق فورا والذهاب الى اسرائيل . وهو امر لم يكن غير طبيعي وغيرمتوقع . كما لم يكن امرا غريبا ان يتطابق هذا السيناريو مع آجندات الحركات القومية والدينية المتطرفة وبعض الساسة من انصار الحكومة والإنكليز حيث قامت بتوزيع منشورات مماثلة تطالب بطرد جميع اليهود من العراق . 

لقد سارت الأحداث المأساوية في طريقها المرسوم ، وحصل ما حصل . إذ دخلت القوات البريطانية بغداد واللصوص والقتلة منهمكون بعمليات النهب والسلب والقتل والتعذيب وجرد الغنائم وتقييمها. وقد علمنا بان رئيس الطائفة اليهودية السيد (ساسون خضوري) ، اذا لم تخني الذاكرة ، قد طالب بنفسه وبشدة بتدخل الجيش البريطاني لحماية الطائفة اليهودية دون جدوى . وقد راح الناس ينظرون الى مشاهد هذه المأساة الإنسانية المفتعلة والألم ينهش في احشائهم . وقد حصلت من الأحداث والتعديات القاسية ما لايتسع المجال لذكره . واستمر الحال على هذا المنوال قرابة اليومين . وقد اختار مشعلو الفتنة ، ولعل ذلك كان عن سابق تصميم ، اياما مقدسة عند (اليهود) وهو نهار السبت الذي يطلقون عليه محليا (الشبوث). وكان الصبية المسلمون في (ابو شبل) و(ابو سيفين) ساعتها منهمكين في إضاءة السُرُج والكوانين في منازل اليهود بإنتظار(البخشيش) من الحلوى ، وكعادتهم دائما في مثل هذه المناسبات .

وفي تلك الأثناء كنا نشاهد الطائرات البريطانية ذات اللونين الأبيض والأسود تحلق في سماء بغداد وتحوم حول مناطق اليهود بالذات وبارتفاع منخفض جدا! . ونتذكر جيدا كيف قام رئيس المحلة (الطرف) بأطلاق النارعلى احدى الطائرات من بندقيته الخاصة مما حمل الطيار الإنكليزي على الإنتقام الفوري بالقاء قنبلة يدوية على الصبية المتجمهرين ، من اليهود والمسلمين ، حول مزبلة (ابو شبل ) فتناثرت الأزبال والشظايا فوق رؤوسهم مما اثار الرعب بين سكان المحلة . وقد شاهد البغداديون احدى تلك الطائرات في السينما الوطني بعد اسقاطها.

ولعل البعض يتساءل : لِمَ اشتعلت تلك الأحداث في بغداد العاصمة لوحدها ، وعلى ذلك النحو المأساوي ، في الوقت الذي انتشر في شوارعها وازقتها ألآف الجنود الإنكليز و(الگورگة) والعربات المدرعة ، وحلقت في اجوائها الطائرات بينما لم تشتعل في مدينة (الحلة) ، مدينة الكاتب الكبير(انور شاؤول) ، حيث تعيش بين ابنائها طائفة يهودية عمرها تأريخ العراق ؟.

ولقد اصدرالحكام الجدد التحذيرات والإنذارات المعتادة في مثل تلك الأحوال ولكن بعد فوات الأوان . ولم تنس تلك القوات ان تبلغ الناس عن طريق (الدلالين) و(المخبرين) بأن لدى (ابو ناجي) ، وهي كناية الإنكليز، قطة ( بزونة ) ذكية بمقدورها كشف المسروقات عن طريق حاسة الشم حتى وان تم اخفاؤها في باطن الأرض!. فاذا بالساحات العامة و(الفضوات) تمتلئ بالمنهوبات من كل صنف ولون . بينما راح الحمالون والعربات والدواب العائدة الى المتنفذين والتجار والسياسيين والأشقياء ينقلونها الى منازلهم ومخازنهم !. ولعل من المشاهد المثيرة للضحك ان ترى بين اللصوص صبية من عامة الطائفة اليهودية!. وفي الوقت الذي تعالت فيه الإستغاثات من دور(ابو سيفين) و (فرج الله) المتهالكة نجد نسوة (ابو شبل) من اليهوديات والمسلمات يتربعن في الطرقات امام منازلهن ويتفرجن بعيون دامعة على تلك المشاهد المؤلمة. 

ولقد اصبحت تلك الاحداث المؤلمة مدعاة للأسى والإستياء العام في حينها. وكان الخاسر الأكبر من تلك الجريمة النكراء المصنعة هو الشعب العراقي البريء وبكل طوائفه وفئاته . والمثير للتساؤل والإستغراب حقا هو اننا ما نزال تقرأ لكتاب راحوا يسطحون تلك المأساة الإنسانية ويجردونها من دوافعها السياسية المفبركة ويعزونها الى مجرد واقعة نهب وقتل قام بها الغوغاء من العراقيين . ولم يكتف البعض بذلك بل راح يضع لنا نظريات (سايكولوجية ) غريبة يزعم بها بان ما حصل عرض لداء اوطبع خاص بالشخصية العراقية!. 

وكان لنجاح تلك الخديعة (الإنكليزية) الكبرى والتي اتخذت صورة المأساة الإنسانية المؤلمة ان استنسخها الأميركان بتفاصيلها وحواشيها ابان غزوهم للعراق في نيسان ، عام 2003 ، حيث اطلقوا العنان للعصابات المنظمة ، دولية ومحلية ، والمجرمين والدهماء وبسطاء الناس بنهب المتحف العراقي والمؤسسات الأخرى وعلى نطاق واسع ، مع استثناء واحد وهو انهم نسوا ان يجلبوا معهم (القطة الذكية!) وكادرها التقني للإستعانة بهم!. 

وقد يثيرالأتهام المتواصل الموجه نحو العراقيين بأنهم شعب يجنح نحو الكراهية والعنف والشر اتجاه (اليهود) إشكالية فكرية تستلزم تفسرا وايضاحا . إذ كيف سنوفق بين هذه المزاعم وبين الوقائع الواردة سابقا والتي تقول بان المسلمين واليهود عاشوا بسلام ووئام طوال قرون؟. وهاهم حكماء اليهود وعلماؤهم وادباؤهم وشعراؤهم ، قديما وحديثا ، يذكرون مآثر ومناقب بلاد الرافدين الطيب أبناؤها والعذب ماؤها واللذيذ طعامها والعليل نسيمها ، و كما وصفته اقلام المفكرين والأدباء والشعراء الكبار من امثال (ابراهيم عوبديا) و(انور شاؤول) و(مير بصري) و(سمير نقاش) و(شموئيل موريه) و(سلمان درويش) و(اسحاق بارموشي) و(مراد ميخائيل) و( ديفيد سيمح) و(مراد العماري) و(ليليان دبي) و(يعقوب بلبول) وغيرهم . وكذلك ما نشره مفكرون وسياسيون في الصحافة العلنية مثل (سليم البصون) و(حسقيل قوجمان) وغيرهما . وما سمعنا من افواه اكاديميين واساتذة وأطباء وصيادلة ومعلمين وقراء مقام ومغنين وموسيقيين و آلاف من المواطنين البسطاء . وقد لن انسى ابدا ما اسرني به احد ابناء الطائفة (اليهودية) ، والدموع تترقرق في عينيه ، بانه سوف يفتقد شيئين عزيزين على قلبه اذا ماترك البلد ، وهما : ( نومة السطحْ وميوة العراق !) ( والميوة هي الفاكهة) . أفهناك مشاعر وطنية اكثر طيبة وصدقا يمكن ان يجدها المرء خارج أحرف تلك العبارة الفطرية البسيطة؟. فلو نحن نقبنا ما بين جوانح كل يهودي غادر العراق فسنكتشف بأنه قد اودع العراق سرا من اسرار كينونته العراقية . ولكن ماذا بأيدينا نفعله حتى نغير من نواميس الكراهية والشر في هذا العالم !؟.

والحقيقة ، فان محنة (الفرهود) القاسية لم تترك أثرا سلبيا كبيرا في نفوس جمهور العراقيين ، يهودا ومسلمين ، كما كان يتوقع بل ويرجو البعص ، فقد لعق الجميع جراحه فخلدوا للسلم والطمأنينة . وهو ما يؤكد إفتعاليتها وصناعتها. فعادت الحياة الى طبيعتها وبدا التعاون والتآخي بين كافة الطوائف وكأن شيئا مؤلما لم يحدث . لكن طواحين المناورات والأحابيل لبعض الساسة والحركات السرية ومن كل الطوائف ظلت تدور بالخفاء لزرع الفتنة بين العراقيين ، وهو امر مفهوم ومتوقع في جميع الأزمنة .

وتعد الحقبة التي اعقبت تلك الحركة من اخصب الحقب السياسية في تأريخ العراق الحديث . فقد نشأت الأحزاب والجمعيات التي مثلت جميع المدارس الفكرية ، بدأ باقصى اليسار وانتهاء باقصى اليمين وما يقع بينها من اطياف حزبية . وكانت بحق تجربة رائدة بالرغم مما واجهته من صعاب قد ادت في النهاية الى وأدها . وما يهمنا هنا هو ان نبين دورالطائفة اليهودية في اغناء تلك التجربة الفريدة وانعكاسها الإيجابي المؤثرعلى سلوكها في المهجر، وهو احد محاور حديثنا . 

فقد ساهمت الطائفة اليهودية بشكل فاعل ومباشر في قيادة بعض تلك الأحزاب ، ياتي في مقدمتها (الحزب الشيوعي العراقي وواجهته (حزب التحرر الوطني) . وهما اللذان افرزا (عصبة مكافحة الصهيونية) تحت قيادة (ابراهيم ناجي شميل) والتي نشأت عليلة ثم انتهت لأسباب موضوعية لسنا بصدد مناقشتها . وكذلك (حزب الشعب) بزعامة (عزيز شريف) و(حزب الأتحاد الوطني) بزعامة (عبد الفتاح ابراهيم) ، وهما حزبان ماركسيان يمثلان اقصى يسارالوسط ، و(الحزب الوطني الديمقراطي) بزعامة (كامل الجادرجي) ، وهو حزب ديمقراطي/ تقدمي ، و(حزب الإستقلال) بزعامة (الشيخ محمد مهدي كبة) وهو تنظيم قومي عربي .

وقد التحق الكثير من المثقفين اليهود بالاحزاب والحركات الماركسية والتقدمية . فبرزت فيهم شخصيات شيوعية قيادية مثل (يهودا صديق) و(ساسون دلال) اللذين اعدما من قبل السلطة مع عدد من زملائهم المسلمين . وكانت هناك ايضا شخصيات سياسية ماركسية مثل (سليم البصون) الذي رأس تحريرصحف حزبية مثل (السياسة) و(الأساس) اللتين كانتا تعبران عن افكار حزب ( الإتحاد الوطني) ، والكاتب الماركسي (حسقيل قوجمان) الذي كتب ايضا في مجال فنون المقام والموسيقى والغناء العراقي .

وفي الإطار الأوسع نجد ان هناك فئات مارست الادب اكثر من السياسة يمكن وصفها بكونها نخبا تتحرك على مساحات اكثر رحبا من المفاهيم الوطنية والديمقراطية والإشتراكية . وقد ينطبق وصف ( التقدميين) او (المستقلين ) او حتى (اللبراليين ) ، على وفق مصطلحات هذه الأيام ، على معظمهم ، بضمنهم من سبق ذكرهم من المثقفين المتنورين . ولعل دورهم في صوغ الشخصية اليهودية / العراقية كان عميقا ومؤثرا الى جانب الدور الحاسم الذي لعبه قراء المقام والموسيقيون (ألآلتية) والمغنون طوال تأريخهم وحتى اليوم . وهي المسألة التى سنتناولها باختصارلاحقا بالنظر لأهميتها الخاصة في تشكيل الشخصية الأجتماعية لليهود العراقيين وانعكاساتها على العراقيين بعامة .

ولقدعمل الكتاب اليهود والمسلمون معا في جو من الود والتقدير والإحترام . فلم يشعر اي منهم بانه إنما يعبرعن مشاعر طائفته او همومها او حاجاتها وحسب حين يكتب مقالة اوقصة او ينظم شعرا . كما ان القراء بدورهم لم يشعروا باية فوارق او مشاعر قومية او طائفية حين يقرأون لكاتب يهودي او مسلم . فالقارئ العراقي يقرأ (لأنور شاؤول) مثلما يقرأء (لجعفر الخليلي) ويقرأ (لشموئيل موريه) مثلما يقرا (لعبد الملك نوري) . فهاجسهم المشترك هو عشق العراق . فالكل عراقيون وفوق الميول والإتجاهات . وهو الشعار الشعبي الذي شاع بين الناس وسرى مسرى الأمثال . ولعل الكتاب اليهود كانوا اكثر تمسكا به ليدفعوا عنهم شبهة التعصب لطائفتهم . وهو شعور طبيعي في مثل ظروفهم الدقيقة . ولم يقتصر ذلك الشعور النبيل على الفئات المتنورة وحسب بل وتجده ايضا بين الفئات الإجتماعية العريضة دون استثناء .

ويلمس المتتبع ان اليهود العراقيين قد نقلوا تلك المشاعر الوطنية / العراقية الى المهجر وعملوا على إذكائها وترسيخها بين ابنائهم وفي محيطهم الحيوي . فليس غريبا ، إذا ، ان يكون صوت اليهود العراقيين عاليا مجلجلا في وسائل الإعلام الإسرائيلية واالذي انتشر خارج فلسطين عن طريق المذياع بالرغم من قلة عددهم . وتراهم قد تمسكوا بإسلوب عيشهم وبعاداتهم وبلغتهم ولهجتهم العربية المتميزة حتى اليوم . وقد يكون ذلك السلوك مدعاة لموجة العداء إتجاههم من قبل اليهود (الأشكناز) والسلطة الإسرائيلية والأحزاب الدينية منذ الأيام الأولى لوصولهم ، وبخاصة تلك الموجهة نحو الكتاب الوطنيين والتقدميين مما حدا بالكثير منهم الى مغادرة اسرائيل او البقاء في عزلة عن المجتمع حتى بعد مرور فترة طويلة على وجودهم هناك. ولعل مأساة الكاتب الكبير(سمير نقاش) ومعاناته النفسية وتجواله واغترابه لخير مثال . ومن المفارقات العجيبة ان زميله الكاتب المعروف (انور شاؤول) الذي آثر البقاء في وطنه الاول العراق والذي شغف بحبه شغفا شديدا قد تعرض هو الآخر الى المضايقات من قبل السلطات العراقية واختتمت بأسقاط الجنسية عنه !. 

وكما المحنا سابقا فان النشاط ألأكثر انتشارا والأبعد اثرا في حياة ابناء الطائفتين المسلمة واليهودية في القرنين الماضيين كان في مجال الفنون الموسيقية ، وبخاصة المقام العراقي والغناء والرقص وفي اقامة الحفلات في المناسبات السعيدة. ويمكن القول بان هذا العامل كان من العوامل الحاسمة في تكوين الشخصية الإجتماعية / الشعبية لليهود العراقيين ، وللبغداديين بنحو خاص . فللغناء والطرب سحره على الناس بصرف النظر عن طوائفهم وعقائدهم كما هو معروف. ويمكن القول بان النشاط الفني هذا بالذات كان احدى وسائل الحماية والدفاع الطبيعية التي لجأ اليها المواطنون اليهود.

ولقد برز بين اليهود العراقيين عدد كبير من قراء المقام ، ومن الطبقة الأولى ، الى جانب زملائهم المسلمين ، حيث صنعوا معا إرثا غنائيا / مقاميا في غاية الإبداع والجمال ، منهم على سبيل المثال (روبين رجوان ) و(رحمين نفطار) و(يوسف حوريش) و(سلمان موشي) . وقد اخذ عن هذين الأخيرين كل من (سليم شبث) و(حسقيل قصاب) . وكان آخرهم (فلفل كرجي) الذي مايزل يحظى بشعبية بين العراقيين من اليهود والمسلمين .

كما تفرد الموسيقيون اليهود ( ألآلتية) في ادارة وقيادة الفرق الموسيقية المسماة بـ (الچالغي البغدادي) حتى رحيلهم عن العراق بعيد عام 48 . واشتهر فيهم فنانون كبار ابرزهم (شميل بن صالح) و(صالح بتو) و(حوكي بتو) و(حسقيل بن شمولي) و(ابراهيم بن عزرا) . وقد صاحب بعضهم الفنان الكبير (محمد الكبنجي) لحضور المؤتمر الموسيقي الاول الذي عقد في القاهرة عام 32 . وما يزال العراقيون حتى اليوم يستمعون بشغف الى موسيقى الفنان اليهودي المعروف (صالح الكويتي) ويرددون الأغاني الشعبية الخالدة التي قدمها الى فنانات شهيرات متل (زكية جورج) وسليمة (باشا) مراد وسواهما.

ولست بمغال لو قلت بان العوامل المارة الذكر مجتمعة ، بدأ بوجودهم الأول في بابل ، والانبياء والكهنة معهم ومرورا بالسياسة والأدب وانتهاء بالموسيقى والغناء والمقامات العراقية ، كل تلك العوامل الرئيسة قد فعلت فعلها السحري بين يهود العراق فدفعتهم نحو انشاء ما يمكن ان يطلق عليه بـ (غيتو) عراقي داخل إسرائيل حوى كل خصائص الحياة الإجتماعية العراقية ، والبغدادية على وجه الخصوص. وقد ظل ذلك (الغيتو) متصلا بالوطن الأم عقودا طويلة ما زالت بقاياه شاخصة حتى اليوم وذلك من خلال ممارسة العادات والتقاليد والموروثات الشعبية التى عشقوها بصدق وعمق وسهروا على حمايتها ورعايتها وتطويرها وكأنهم ما يزالون يعيشون في وطنهم الام .

أوليس من المدهش ان نرى بعد اكثر من نصف قرن على مغادرتهم العراق الجيل الجديد من الأبناء والأحفاد وهو يصدح بأنغام المقامات والبستات البغدادية الشجية ، اوحين تدخل منازلهم او مطاعمهم لتشم فوح الطبيخ البغدادي اللذيذ من بعيد ، او ان تدلف الى الاسواق او الحارات الشعبية لتستمع الى لهجتهم العربية المتميزة وكانك في (ابو سيفين) او (حنون الصغير)! . 

والواقع ، فانه لم يكن من اليسير على اليهود العراقيين ان ينعموا في مجتمعهم الجديد بنمط حياتهم العراقية الأصيلة . فقد جابهوا ، ومنذ البداية ، عمليات منهجية لغسل المخ او بالأصح اعادة تشكيل العقل وذلك بمحو الفكر القديم واستبداله بفكر مختلف كليا يقوم على خصائص الدولة الأوربية / العبرو / ييدش . فقد سعى المنظرون الأوربيون الى لصقه عنوة بالأصول الأوربية لا بالتأريخ الشرق اوسطي . ولم تكن مهمتهم يسيرة ابدا . فقد واجهوا اكتر من 33 قومية ولون وسحنة وثقافة ولغة ولهجة ، إذ ليس من السير خلطها ولتها وترقيقها إلا بمعجنة سحرية عملاقة لم يتم ابتكارها بعد . وقد وجد اليهود العراقيون انفسهم بين تلك الكتل المختلفة . وقد تمر دهور طويلة قبل ان ينصهروا اجتماعيا وثقافيا ونفسيا . 

وكانت تلك الصورة مغايرة لما تخيله اليهود الذين تشكل عقلهم في البيئة العراقية او حتى العربية ، وعبر آلآف السنين ، فاصبح ركنا رئيسا من البناء الحضاري السامي للمنطقة . فصورة الدولة العبرية كما أرادوها هي التي تقوم على الفكرة السامية / العبرية / العربية وبالوان الثقافة الشرق اوسطية السائدة . ولعل من غرائب ذلك (الفكر المختلف) وعجائبه انه سلخ اكبر الكتل التأريخية/السامية كالعرب وألآراميين والفنيقيين من حظيرة (الساميين) ، بحيث اصبح المصطلح مختصا بـ (اليهودية) وحسب . فلو قام (عربي عراقي ) او (عربي لبناني) مثلا بنقد سياسة دولة اسرائيل فهو معاد للسامية !. 

وكانت اول ضربة تلقاها (اليهود العراقيون) هي من خلال طعن (اللغة العربية) وآدابها وفنونها ، ذلك الوسط العقلي/ النفسي الفريد الذي ينقل الفكر والثقافة والتراث والعادات والمشاعر ويسعى لحفظها وتطويرها وترقيتها . ولقد اتخذت وسائل محاربة (العربية) اشكالا متعددة لامجال لعرضها هنا . لكن ابرزها كان في التضييق عليها في وسائل النشر المختلفة ضمن برنامج طويل النفس ، مستغلة ظاهرة الشيخوخة الطبيعية لأية لغة تتخلى عنها الأجيال الجديدة لمصلحة اللغة الرسمية السائدة ، وكما اكد ذلك العالم الجليل ابن خلدون . والواقع ، فان اللغة العربية تخوض اليوم صراعا مريرا في مواجهة العبرية . فالذين يعنون بالعربية ويوجهون نتاجهم للقراء اليهود بالدرجة الأولى هم من بقايا الرواد اليهود العرب ألأوائل والعراقيين على وجه الخصوص . و يأتي في مقدمتهم الكاتب الكبير الدكتور شمؤئيل (سامي) موريه الذي ما يزال يحمل راية اللغة العربية بكف والقلم بكف اخر. وكذلك اولئك الذين يكلفون بمهمات خاصة من قبل النظام الإسرائيلي وفي نطاق مشاريع الأعلام الموجه او ما يسمى بالحرب الإعلامية او النفسية ، والموجهة أصلا الى العرب في كل مكان من خلال الفضائيات والمواقع الأكترونية والصحافة .

ووفق التحليل السابق يمكن ان نفسر تخلي كتاب يهود عن الكتابة بالعربية . فالكتابة سلعة ينبغي ان تجد لها من يسوقها ومن يتوسط لتسويقها واخيرا من يشتريها. لكن المشكل الأكبر هو في تحول كتاب عرب نحو استخدام اللغة العبرية .بدلا من اللغة العربية . فان كان هؤلاء يكتبون في الأصل للإسرائيليين وفي نطاق مشاريع اعلامية عربية موجهة ومتقابلة فليس هناك من بأس ، بل على العكس ، فهو ضروري جدا. اما في غير ذلك فليس هناك ما يدعو الى تشجيع تلك الخطوة . وسوف يكون ضررها بليغا على المدى البعيد. وسوف يكون على حساب العربية .

ويزعم بعض الكتاب العرب ومنهم السيد (نبيل عودة) : (بان اللغة العبرية اسرع تطورا واكثر قدرة من اللغة العربية واكثر قدرة على تفهم اللغات الأخرى . فالترجمة من الإنكليزية الى العبرية اسهل بكثير من الترجمة الى العربية) . ثم يضيف ، وهنا بيت القصيد ، ( باني كمواطن في اسرائيل اجد سهولة اكبر في استعمال العبرية في كل مايتعلق بالعلوم والتكنولوجيا ) . لكن من اغرب استشهاداته قوله : ( وحين حاولت قراءة كتاب (الإستشراق) (لأدوارد سعيد ) بالعربية ترجمة (البروفسور كمال ابو ديب) عجزت عن فهم لغة المترجم . ولحسن حظي وجدت ترجمة عبرية رائعة للكتاب واضحة ودقيقة . نفس المشكلة واجهتني مع كتاب ـ الثقافة والإمبريالية ـ لنفس المترجم ) انتهى !.

ومشكلة بعض الكتاب العرب ، مع الأسف ، انهم كثيرا ما يخلطون ما بين عنصرين مختلفين كليا حين يتناولون مسألة اللغة العربية ، وهما عنصر اللغة كفكر وفلسفة واصول وبين عنصر اللغة كأداة عملية . اي انهم يخلطون ما بين نظرية الألوان في الرسم وما بين الأصباغ . فالقول بان اللغة العبرية (افضل) من العربية لا يخرج عن هذا السياق . والحقيقة التي يدركها علماء الألسنيات واللغة بان اللغات العربية والآرامية والعبرية لغات ساميات ولدت من رحم لغة (سامية ام) او اصل (بروتو سامية) . ومع مرور الزمن والمحن والتجارب اختلفت سبلها ومدارجها . لكن المعروف بين العلماء بان العربية ، كفكر وفلسفة واصول قد نمت وازدهرت وتقدمت على اللغات السامية الأخرى بأشواط فاصبحت اداة عملية رائعة وطيعة يوم كان هناك ما يفجر طاقاتها الكامنة ويعبر بها في الشعر والأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم . وقد لا اظن بان السيد الكاتب يجهل حقيقة قد لمسها فبله علماء ومستشرقون وهي هذا الإعجاز اللغوي البياني الذي نزل به القرآن ، وذلك الأسلوب العلمي المدهش الذي كتبت به (رسائل اخوان الصفا) و( رسائل جابر بن حيان ) وتلك اللغة الجميلة السلسة التي كتبت بها قصص (الف ليلة وليلة) وكتب (كليلة ودمنة) و (البيان والتبيين للجاحظ) و(الأيام لطه حسين) ومعجمات (مشرفة) و(حتي ) و(البستاني) ، الى آخر حبيات تلك المسبحة الجميلة المتناسقة .

فأنا في الواقع لا ارغب ان اقلل من شأن (العبرية) او غيرها من لغات سامية قديمة ، فهي جميعا ادوات تعبرية مفيدة قد انبثقت عن فكر سامي قديم واصيل . لكن علينا اولا ان نحدد عناصر ذلك الفكر وادواته في اللغتين العبرية والعربية ، و سواء أكان ذلك في النحو ام الصرف ام الإستقاق ام المجاز ام البيان ، على ان لا ننسى حيوية كل أبجدية وعدد مداخل الفاظها . و بودي ان احيل الكاتب ، ولضيق المجال ، الى المراجع اللغوية ففيها القول الفصل . 

اما ما ذكره من ان اللغة العبرية اكثر حيوية من العربية ، فهنا ايضا نجد انفسنا امام خلط بين المفاهيم الأساسية وبين الأدوات الفنية وبين السياسة اليومية الدارجة . فقوله ذاك لا يخرج عن حدود هذا المثلث المغلق. فهو يندرج ضمن خانة الأعلام الموجه الذي اشرت اليه . ومن اهدافه اعلاء راية وتنكيس أخرى .
والحقيقة ، فان ما يحاول تناسيه الكثير من كتابنا العرب في اسرائيل هي الحقيقة المرة القائلة بان البيئة الحيوية التي وجدت العربية التأريخية نفسها فيها بيئة جامدة وعليلة . وهي عين البيئة التي تتحكم بمصير هذه الأمة المنكوبة بنكبة لغتها . فقوة ( العبرية) ومرونتها إذا مستقاة من قوة (الدولة العبرية) وترسانة سلاحها وارتفاع نبرة وسائل اعلامها وأعلام اعظم دول العالم لصالحها لا من إمكانات لغتها التأريخية المعروفة . 

ومن الحقائق التي ينبغي الإقرار بها ان علماء اللغة الأسرائيليين يحاولون بذل جهود مضنية لتطوير اللغة (العبرية) لتغطي مساحات واسعة من العلوم والمعارف والتكنولوجيا الحديثة اعتمادا على اصول لاتينية / إغريقية وعلى ذخيرتيهما العظيمتين من المصطلحات والرموز العلمية ، وهو ما قامت وتقوم به (العربية) . لكن ذلك النشاط الإسرئيلي المتواصل لن يطمس الحقيقة القائلة بان( اللغة العربية التأريخية) ستظل اللغة الند لها وللغات أخرى عديدة . اقول هذا عن خبرة عملية طويلة في مجال لغة العلوم البحتة ومصطلحاتها ، واعتمادا على قدراتها الذاتية لا على (العربية السياسية) . 

تعقيب اخير بودي ان يكون مسك الختام . قال الكاتب (عودة) : بأنه ايسر عليه ان يقرأ كتابا مترجما الى العبرية من ان يقرأه بالعربية ومستشهدا بقصة كتاب ( الإستشراق) لأدوارد سعيد المار الذكر وملقيا باللائمة على العربية التي لم تتطور كأختها الصغرى خلال المائة سنة الأخيرة بحسب فوله وربما لام المترجم ( البروفسور) ايضا . ويؤسفني القول بان هذا الإقرار يتسم بالسذاجة والذاتية ولا تجمعه بمفهوم اللغة آصرة ما . وبمقدوري ان آتي باكثر من كاتب ليقول مثل القول الجميل في اللغة العربية .

فنحن ، ولكي نفهم المقروء ونستوعبه جيدا ، ينبغي ان تتوافر ثلاثة عناصر متلازمة : هي اللغة والكاتب والقارئ . ولكل منها مواصفاته العالية. لكن السيد (عودة) اختزل هذه الصورة الثلاثية الأبعاد الى مسطح . ففضلا عن توافر اللغة البليغة ، ينبغي ان يكون الكاتب (مؤلفا او مترجما) متمكنا من التعبير بهذه اللغة والإفصاح بها . ولا اظن ان المترجم وهو استاذ اكاديمي تنقصه تلك المواصفات . اما القارئ فعليه ان يجاري الكاتب في مواصفاته تلك لكي يستوعب ما يقرأ . فبدون تلك العناصر إذا لايمكن للمعرفة ، ايا كانت طبيعتها ، ان تصل الى مبتغاها . فالقاء اللوم على اللغة (العربية) جزافا ما هو ألاغطاء للتستر على ضعفنا وخيبتنا وهزيمتنا. 

يقول المثل الدارج : ( ان الفريق المعد إعدادا جيدا لابد وان يكسب اللعبة حتى بكرة (شراب) !.) 

الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

انطي للعقل حكمي
مقاطع من قصيدة من بحر الطويل نشرت عام 1961 للشاعر مجيد لطيف القيسي :
انـطـي للعـقـل حكمي ...... واحـكم للعـقل آنـه
العقل مقياس للتفكير ...... العقل للبشر سلطانه
العقل للمتزن وضعه .......... يدليه اعله درب الخير
ويتصرف باعمــاله .............. يخليـه ابحسن تدبيـر
وبيه ايحصل من الناس ...... عزة شخصه والتقـديـر
نظرته صائبه تصبح ............ اوما يفشـل بسـعوانـه
العقل جوهـرة اموصفينه ....... العـقل ميـزان للانسـان
العقل زينه ومن عدها ......ابصفه الطيبه الرجل ينزان
العقل موهبـه ومن سرها...... الكامــل يكسـب العرفان
العقل شارع هـدى والبيه ......... يســلك ، ثبـت ايمانه
العقل بي ميــز الانسان ...... نفــعه من الـذي يضــره
وبي اصبح يــره ليله .......... الدامس من ضوه فجره
والحـق بي من الباطل ....... أعلانه اتضــح من سـره
وبـي يتـمـيز الصـالح ........... مـن الطـالح و ادرانـه
البشر بالعقل يتمجد ....... ويتقدر ويتـزعم
البشر بالعـقل يترجح ......بآرائه و يتعــظم
البشـر بالعقل يتوصل .....لأهـدافه ويتـقدم
ولغايتـه ايحـقـقـها ......ابـعقله ويـرتفع شانه
العقل كنز البشر هوه ......العقل مصدر الاشعاعات
العقل طاقـة ومن عدها ......البشـر يـاخذ التعليــمات
العقل حكمة ابحكمتها ......البشر شرع الاصلاحات
العقل جلت عظمته الله ......الذي صـــوره وسبحانه

الخميس، 13 أكتوبر 2016


ايام عاشوراء :
شارع الكفاح من الاماكن الشعبية جدا
وهو يتوسط محلات بغداد القديمة
جيلنا وعى عليه ووجده موجودا على ما هو عليه في الستينات
لم يكن شارعا تجاريا كما هو عليه الان
وانما تتوزع عليه بعض الدكاكين القليلة التي توفر لسكني المحلات مستلزماتهم واحتياجاتهم
محل او اثنين لعمل تانكيات الماء
محل او اثنين للمواد الانشائية
محل او اثنين للنجارة
وتجد فيه محل لبيع المواد الفخارية ( الحبوب والحبانات والتنك والسنادين ) وكان يسمى صاحب هذه المهنة ( كواز ) من الكوز اي التنكة او مشربة الماء وكان صاحب المحل والد زميل لي في المدرسة كثيرا ما كنت ابين له استغرابي من التسمية !!!
وكان هناك محلين لبيع الحلويات ( البقلاوة والزلابية والبرمة والشعرية ) واحد في منطقة الفضل والاخر في منطقة باب الشيخ وهو الاكثر شهرة الا وهو جواد الشكرجي وعندما نريد ان نشتري الحلويات وخصوصا في ايام رمضان كان الناس يتعنون الى هذه المحلات .
وكان هناك على امتداد الشارع ايضا محلات الحلاقة والمضمدين الصحيين ، اما باقي الاعمال والمهن فهي في الاسواق والشوارع التي تتفرع من ها الشارع فهناك سوق الفضل وهناك سوق قنبرعلي وسوق حنون وعلاوي الشورجة للفواكه وسوق الصدرية ،وكذلك المقاهي كانت في داخل المحلات حيث ان لكل محلة مقهاها وسوقها ومدرستها وجامعها، اما باقي الشارع فهو بيوت وعمارات سكنية انشئت حديثا بعد شق الشارع .
كان شارعا سكنيا بحتا بخلاف شارع الرشيد التجاري و شارع الشيخ عمر الصناعي وشارع الجمهورية الذي لم يتكامل بعد في اجزاء كبيرة منه.
وعليه فان كثافته السكانيه والسكنية اهلته لانتشار مواكب العزاء الحسينية اكثر من غيره من شوارع بغداد ، حيث كانت تمتد المواكب من باب المعظم الى باب الشرقي :
موكب عزاء الفضل
موكب عزاء قنبرعلي
موكب عزاء سوق حنون
موكب عزاء ابو سيفين
موكب عزاء ابو دودو
موكب عزاء جامع المصلوب
موكب عزاء الصدرية
موكب عزاء عكد الكرد
موكب عزاء باب الشيخ
وهكذا ...........
كل هذه المواكب تنصب في مداخل المحلات الشعبية او في مقهى من مقاهي المحلة او في حسينية قائمة ولا يوجد موكب يقطع شارع او ينصب جادر في وسط طريق !!!
ويشارك في هذه المواكب الجميع سنة وشيعة وتمويلها من الاهالي انفسهم ، مثلا كانت والدتي قد خصصت مبلغا معينا تذهب به الى موكب عزاء ابو سيفين نذرا منها وتعهدا للحسين ( عليه السلام ) سنويا لم تقطعه ، وكثير من الناس اعتادت ذلك سواء المتمكن ماديا او المتوسط الحال او الفقير كلٌ حسب تمكنه ، اذ كانت مسألة ايمان بقضية الحسين و حفظ ذكرها على مر الزمان ،
و كانت هناك مشاركات من نوع اخر مثلا ان يوضع خزان ماء بارد في الطرق ايام الحر او حب ماء ، وفي اليوم العاشر يتحول الماء الى شربت في بعض الاحيان ، وكثير من العوائل البغدادية على اختلاف مذاهبها تقوم في عاشوراء بعمل ما يسمى بال(قرايات) في بيوتها وهي مجالس عزاء حسينية خاصة بالنساء حيث يتم قراءة المنادب الحسينية وترديد الادعية فيها و ذكر افضال ال البيت ونكباتهم و البكاء عليهم وقد يصل الى اللطم وضرب الوجوه والصدور ألماً وحسرة .
و كان الشاعر مجيد القيسي يشارك في عدد من المواكب الحسينية وخصوصا موكب قنبرعلي بكتابة المراثي والردّات الحسينية التي تقرأ ايام عاشوراء .
وفي صباح اليوم العاشر كان شارع الكفاح يمتليء من اوله حتى اخره بمسيرات المواكب الحسينية وتخرج مجاميع الناس التي لم تشارك بفعالية في المواكب لتقف على جانبي الشارع يبكون حسينا ويلعنون امة قتلته ، اما المشاركة فهي تكون من غالبية شباب محلاتنا الشعبية وتشتمل المشاركة على نرديد الردات واللطم وضرب الزناجيل و عمل التشابيه وهي تمثيل شخصيات الذكرى سواء كانت شخصيات ال البيت التي تستدر نوح وبكاء الناس او شخصيات القتلة اللذين شاركوا في قتل الحسين امثال ( الشمر) وهذه الشخصية التي كان ينالها الكثير من الاستياء من قبل الحاضرين والمتفرجين من الناس وقد يصل التعبير عن استيائهم منها الى ضربها بالحجارة والنعل و قشور الركي على اقل تقدير ......
مشاركة الاعضاء :
_____________
موفق القيسي :أحسنت بالمناسبة كانت إضافة إلى المواكب يخرج معهم الدراويش حاملين الدفوف ويبداون بالمديح وضرب الحراب والسيوف وكان الوحيد الذي يشبه نفسه بالشمر علي ابن نجيبه الملقب علي بهرا الله يرحمة وكان يتحمل أنواع الضرب بقشور الرقي والطماطا والحجارة وعندما تنتهي المراسيم يبدأ بالغلط والشتم على كل من رمى عليه.
منذر نعمان القيسي : كان المطبرين يتريكون بابوشبل في بيت رداسة ام سرية مرة عباس ابن نوري (الله يرحمهم ) وبعدها يروحون لموكب ابو سيفين لغرض التشابيه فيكون فلاح السمين هوالاسد مال الامام علي( رض) واني احد اولاد مسلم ، والاحداث تدور بالعوينة ( ملعب العوينة) وصحيح كلام موفق كان الشيوخ والدراويش وراء الموكب والدفوف والحيات وكانت احدى رداتهم ( صلو على بدر الدجا طه المعظم) ومدد ياشيخ عبد القادر مدد ويضربون الحربات
ما اجمل تلك الايام وين سنة وين شيعة اقسم بالله منعرف هذه الامور.