الأحد، 1 أكتوبر 2017

كانت المقاهي في بغداد لها مكانة كبيرة في مجتمع المدينه المحافظ
احمد القيسي
____________________
اول مقهى في بغداد كان في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي في عهد اغا الينكرجيه ( كلمة تركية تعني الجيش الجديد ) ثم والي بغداد سنان باشا جغاله زاده ( يقال ان اصوله ايطالية )  وبعده ابنه محمود باشا وفيها تقدم وتشرب القهوه فقط لذلك سميت مقهى وتقدم بفناجين من الفخار عادة و للاغوات والبيكات والبشوات بفناجين من الفضه..ثم تطورت مع الزمن .
و تطورت المقهى حيث وجد القاصخون فيها قبل فرقة الجالغي والمقام وجاءت من مصر مطربات امثال طيره وفخريه حيث كن في رمضان ينشدن الموالد النبويه في المقاهي والبيوت البغداديه  واقوى من احيا ليالي رمضان بالمقاهي صاحب الطريقه الدسوقيه العارف بالله جمل الليل .

و لعبت المقاهي دور كبير في احتواء شباب ورجال المحلات الشعبية و حصر تواجدهم فيها ليمارسوا هواياتهم وتسلياتهم البريئة في لعب الدومنه والطاولي و سماع القصص الشعبية في ايام رمضان أو ممارسة لعبة المحيبس الشعبية ، هذا اضافة الى تناول المشروبات المختلفة الحارة والباردة وتناول الحلويات كالحلقوم ومن السما ، وكانت المقاهي منها الكبيرة المركزية ومنها الصغيرة التي لاتخلو محلة منها ، والمقاهي الكبيرة تقع في مناطق مركزية بين عدد من المحلات الشعبية او في شوارع عامة مثل شارع الرشيد او في ميادين المدينه مثل منطقة الميدان ، اما المقاهي الصغيرة فتقع على راس المحلة او داخلها في فضوات داخلية فيها ، والفضوة كلمة يعنى بها الفضاء او الفسحة وسميت بعض المحلات بها لأهميتها مثل فضوة عرب في باب الشيخ او الفضوة في محلة الفضل ،وكانت نساء المحلة يتجنبن المرور بالمقاهي عند خروجهن لقضاء اشغالهن من تسوق او زيارة ، حيث يعرفن اماكن تواجد المقاهي فيتخذن طريقهن بعيدا عنها حتى لو اضطررن الى سلوك طرق أطول او عبور شارع مرتين
وهناك فارق بين المقهى والجايخانه حيث ان المقهى اكبر ويقدم فيه كل ما ذكر اعلاه ، اما الجايخانه فهي اصغر ويقدم فيها الجاي فقط ،وهناك مقاهي خاصة بحرف معينه تتواجد في مناطق ممارسة هذه الحرف مثل مقهى الخفافين في سوق الخفافين قرب المدرسة المستنصرية ، او مقاهي للبنائين او العاملين في مهنة البناء وغير ذلك ، وكانت المقاهي تؤثث بالتخوت (جمع تخت ) وهي مساطب خشبية مرتفعة قليلا حيث يتربع الجالس عليها ليحصل على راحته في جلسته التي تستغرق وقتا طويلا ويقرش عليها أما حصيرة من الخوص أو ( بسط ) ( جمع بساط ) وبعض الاحيان يوضع عليها دوشك ( مرتبة ) من القطن او الريش
2- مقهى عارف اغا - رفعت الجادرجي
كان مقهى مرموقا لدى البغداديين في الثلاثينات والاربعينات من القرن العشرين ، يؤمه عدد كبير من رجال الطبقة الوسطى وخصوصا موظفي الدولة ، وذلك لقربه من السراي الحكومي ، واشتهر هذا المقهى بحفلاته الدورية الخاصة بلعبة الدونبلو ( البنكو ) في امسيات رمضان وتميز عن غيره من المقاهي ، لا بنوعية الشاي وانما بالقهوة العربية التي يقدمها لزبائنه ، وكان الجلوس في هذا المقهى غالبا على تخوت ، مع بعض الكراسي ويكون الجلوس اما قعودا مع ارجل مدلاة ، أو تربعا ً على التخوت ، ويكون للتخوت مسندا للأرجل عند تدليتها لتكون الارجل مسندة وبعيدة عن رطوبة الارض وغير ذلك ، وكانت هذه التخوت مغطاة بسجاد لراحة الزبائن ، كما هو معتاد في المقاهي المرموقة في بغداد والتي يرتادها أفراد غالبيتهم من الطبقة الوسطى والحرفيين ، ويجلس صاحب المقهى على كرسي وامامه طاولة في المدخل حيث يستقبل الزبائن ولا سيما لمعروفين لديه واللذين يتمتعون بمقام مرموق في المجتمع ، فيجلس هؤلاء في مواقع تعودوا عليها أو خصصت لهم وإن كانتهذه مشغولة في تلك اللحظة  من زيارتهم يتقدم صاحب المقهى ويأمر المساعدين بتهيئة موقع مناسب لمقام هؤلاء . لاشك أن جميع المواقع هي متساوية من حيث نوع الاثاث ( التخوت والطاولات التي وضعت امامها ) وانما يكتسب بعضها أهمية بسبب العادة ، اي تكرار جلوس بعض الافراد الوجهاء في المواقع نفسها ، فتكتسب هذه قيمة تتميز بها عن غيرها من المواقع ضمن المقهى ، ومصدر القيمة هو فرصة الجلوس قرب أشخاص يتمتعون أما بجاه اجتماعي أو ثقافي أو وظيفي في الدولة .
وحالة مثل هذه تبرز دور صاحب المقهى في تنظيم موقع لجلوس هؤلاء الزبائن حسب مقامهم ومعرفته بهم وافضلياتهم للموقع ، أما اذا كان الزبون جديداً وغير  معروف فيقدم هذا بنفسه - من دون اهتمام من صاحب المقهى – على اختيار موقع مناسب بالنسبة اليه ،شرط ان لا يكون هذا الموقع ذا أهمية واضحة نسبة للمواقع الاخرى .
كان لباس صاحب المقهى تقليديا : الزبون والجرّاوية ، وهو يقوم بوظيفة أخرى في غاية الاهمية في ادارة العلاقة بين الزبائن فيقبض الاجور مقابل الجلوس في المقهى ، وهناك عادة أو تقليد في مقاهي بغداد : أن يقدم بعض الزبائن على دفع أجور عن أشخاص آخرين تبرعا وكرما ولتأسيس علاقات طيبة ومناسبة مع أصدقاء أو معارف أو حتى مع اللذين في بداية دور التعارف أو للرغبة في التعارف معهم فإن اختلف الزبائن حول من يدفع قبل من ، يتقدم صاحب المقهى وينظم تسوية بينهما ، فهو من يقدر الموقف ويقرر من يدفع عن من ، حسب المقام والمناسبة ، ويسمى هذا العرف او التقليد ( الوير ) .
3- الوجاغ هو الموقد و محل عمل الشاي وتكون عليه غالبا انواع قـواري البورسلين شكلا وحجما والكتالي ( جمع كتلي ) .
 وتنتشر حواليه انواع السماورات وهي من مصادر متعددة منها الروسية الاصلية ( المسكوف ) اي الواردة من موسكو (حيث كان الناس يسمون الروس – مسكوف ) او التركي او الايراني ، وعرف البغدايون السماور عن طريق الأتراك الذين لا زالوا يستخدمونه في عمل الشاي , وأرتبط السماور أرتباطا كبيرا بأهل بغداد حيث لم تخل مقهى منه بل كان هو أساس تقديم الشاي وكان صاحب المقهى ينتظر الفحم أن يتجمر ويغلي الماء داخل السماور ثم يتم رفع المدخنه وهي عباره عن أسطوانه معدنيه توضع فوق الجزء الوسطي الخاص بالفحم .
ولكي يتمكن صاحب المقهى من خدمة أكبر عدد من الزبائن يقوم بصنع شاي ثقيل ويضيف عليه ماء مغلي عند تحضيرأستكانات الشاي وتقديمها وهي ذات الفكره ألتي طبقها الروس فكان ما يسمى بقوري الشاي يكفي لعشرات الزبائن .
النركيلة أو الاركيلة بالالف تهيئتها واعدادها تتم من قبل عامل متخصص ليس له عمل اخر في المقهى ، حيث يقوم بتهيئة التتن (التبغ) الخاص بعمل النركيلة من (اوراق نبات التبغ ) الطبيعية المجففة بكامل عروقها وهي غير معاملة باي مادة كيمياوية ، كانت تجلب من شمال العراق حيث كان يزرع نبات التبغ لكنها حاليا تستورد من الدول المجاورة ، و يقوم  بتنقيعها في الماء قبل ان يتم استعمالها في النركيلة ، ومن ثم  يوضع التبغ في الفنجان و تختار فحمات مجمرة من الوجار ( او الاوجاغ وهي كلمة تركية- اوجاك - تعني الموقد وتستخدم في اللهجة العامية وكما يقول الشاعر الشعبي – عمت عين الوجاغ الما توج ناره ... ) لوضعها على التتن المكور في الفنجان ، وبعدها يركب الفنجان على بدن النركيلة و يتم تركيب القمجي وهو ( انبوب مرن من المطاط يستخدم  لسحب الدخان ) والقمجي قد يكون خاص يحفظ للرواد المستديمين أو عام لباقي الرواد ، وكما قلنا سابقا أن بعض الرواد الدائميين قد يفضلون استخدام ( تتنهم ) الخاص والذي يحملونه معهم في اكياس قماشية حيث ينادون على عامل النركيلة في المقهى لكي يأخذه منهم قائلين ( تعال اخذ تتن ) ليتم استعماله في نركيلتهم  .
اما تدخين النركيله فكان لكبار السن فقط ولا يتعاطاها الصبيان او الشباب حيث لا تجد شابا يجلس في مقهى ويدخن النركيلة امام روادها من كبار السن ، وكان البعض يجلب التتن الخاص به معه في كيس خاص ليتم تعمير نركيلته منه ، حيث ينادى على عامل الاراكيل : ( تعال أخذ تتن ) واصبحت هذه العبارة مثلا دارجا عندما لا يُتقبل كلام احدهم حيث يقول له ( اخذ تتن ) .
4- هناك محلات في بغداد سميت على اسماء مقاهي لشهرة هذه المقاهي او مركزيتها وتوسع العمران حولها او لشهرة صاحبها او مرتاديها ، ومن هذه المقاهي ( مقاهي عكيل ) في منطقة الكرخ وهي عبارة عن اربعة مقاهي متجاورة يرتادها افراد عشيرة العكيل في منطقة سكناهم في الكرخ من بغداد التي تمتد من سوق حمادة باتجاه الشيخ معروف ومن منطقة السوق الجديد حتى قهاوي عكيل ، وكانت عشيرة عكيل يمتهنون التجارة والنقل الى خارج العراق بواسطة الجمال ( الاباعر جمع بعير ) ، وكانت قوافل الحجاج في بغداد تنطلق من خانات الاباعر في مناطق عكيل ، حيث يودع الاهالي حجاجهم في هذه الاماكن بالدفوف والرايات .
والمقهى الاخر الذي سميت المحلة على اسمه هو ( كهوة شكر ) وكانت مقهى كبيرة يرتادها سكان المنطقة والعمال الارمن من سكنة كمب الارمن القريب منها وايضا اهالي محلة الفناهرة ، و ( شكر ) صاحبها هو جد الكاتب والاديب والصحفي ( ابراهيم صالح شكر ).
وهناك مقاهي حملت اسماء مرتاديها لشهرتهم مثل مقهى الزهاوي التي كانت تسمى مقهى ( امين ) لكن حث ان دعا نوري السعيد ايامها للالتقاء به في مقهى امين في شارع الرشيد ، ولم يكن المقهى حينها كبيرا او شأن ولا يحوي الا على بعض المصطبات وكراسي قديمة وفونوغراف ( ابو الزمبرك ) لكنه اعجب الزهاوي واتخذه مقاما له حيث تحولت المقهى الى منتدى للادباء والمفكرين ، والتقى فيها الزهاوي بشاعر الهند الكبير ( طاغور ) عام 1932 وصارت ملتقى للأدباء والكتاب كالرصافي والدكتور احمد سوسة .
وهناك مقاهي حملت اسماء عاملين فيها مثل ( كهوة عزاوي ) الشهير بالاغنية البغدادية ( يا كهوتك عزاوي بيها المدلل زعلان ) ، وصاحب المقهى هو ( حميد القيسي ) ، تأسست المقهى في القرن التاسع عشر بالقرب من سوق هرج في الميدان ، وعزاوي هذا كان عاملا فيها وجاء من الكوت وكان يتمتع بصفات ومزايا اعجبت رواد المقهى حيث كان اريحي النفس وطيب ويلبي طلبات الرواد دون ضجر او ملل ، وهذا ما جعل الرواد يسمون المقهى باسمه ، كما كان يجيد عمل الشاي بطريقة مميزة فضلا عن نظافة المقهى .
 ومن اسباب شهرة مقهى حسن عجمي الشاي اللذيذ و تبين انه كان يضع قطعة صغيرة جدا من الترياك تحت غطاء القوري اثناء التخدير وذلك يعطي الشاي مذاقه المميز، ومن الظواهر المتميزة في هذا المقهى وجود القزم الايراني ( شفتالـو ) وطاسة الماء بيده وتظاهره بالغباء و( ضراطه ) حسب الطلب .
كانت مقهى الشابندر بحكم موقعها تزدحم بالرواد نهارا بانتظار فتح الدوائر الحكومية المجاورة اوبانتظار قرار المحاكم المختلفة المجاورة او بانتظارالمراجعه عندما يقول الموظف لمراجعيه ( روح وتعال بعد ساعة ) ، وفي المساء تكون المقهى ايضا مزدحمة لانها تكون محلا لانتظار فتح المايخانات المجاورة التي كانت تفتح ابوابها بعد اذان المغرب او بانتظار القصخون او قاريء المقام وجوقة الموسيقى في بعض ايام السنة .
كهوة بكر في الميدان كانت مختصة بهواة البلابل ويلتقي فيها الخرسان ويجتمعون هناك للتسلية والتفاهم بالاشارات ، وكانت هناك مقاهي في الفضل وباب الشيخ تجرى فيها مباريات النطاح بين الكباش والمهارشة بين الديوك ، وكان هواة نطاح الكباش يهيئون كباشهم للنطاح على رهان معين يدفعه صاحب الكبش الخاسر ومن هواة الاكباش المرحوم علي الحبشي الاعظمي والد حسين علي الاعظمي .
5- من كتاب اللغة العامية البغدادية - د. مجيد القيسي
الگهوة أو ( المقهى ) غير الچايخانة ، إذ أن الگهوة اكبر حجما وتقدم فيها القهوة والنرگيلة عادة فضلا عن الشاي العادي والحامض. اما الچايخانة فيقدم فيها الشاي فقط. والگهوة ملتقى للجميع وخصوصا علية القوم. واول مقهى في محلة (قنبر علي) كانت (گهوة النقيب او إشكير) وهو رجل مكتنز الجسم وذو هيبة .
للمقاهي دورها وأثرها في حياة البغادة. فقد كانت (الگهوة) وبخاصة (گهوة الطرف) المنتدى الذي يحتضن أبناء الطرف جميعا. فكان يرتادها نهارا كبار السن والعاطلون عن العمل والشبان البالغون أيام العطل الرسمية. اما مساء فهي تعج بالرواد. فترى كل فئة تنتحي ركنا لها. فالوجهاء والتجار وأصحاب ألأملاك لهم (خانتهم) المميزة. والشباب لهم (خانتهم) أيضا. وكانت جميع الإجتماعات الحزبية تتم في (الگهوة). فتجد هنا مثلا إجتماعات الشيوعيين واليساريين عموما وبالقرب منهم (القوميون ألإستقلاليون) وإلى جانبهم (الوطنيون الديموقراطيون). ولا بد من القول بأن كل فريق سياسي كان يضم بينهم شبانا من جميع القوميات والديانات والطبقات ألإجتماعية. وبالرغم من ألإختلاف الفكري والسياسي بينهم لم يصادف ان حصل شجار شديد  بينهم أثناء المناقشات الحامية. وإذا ما إرتفع صوت أحدهم  فسرعان ما يلوذ بالسكوت حين يخزره أحد وجهاء (الطرف). ولم يكن غريبا أبدا ان تشارك كل فرقة في الإجتماعات والإحتفالات الحزبية الكبرى للفرقة الأخرى. فقد كانت الحياة سلسة وجميلة بحق رغم ضيق مسالك الحياة. وتتم في (الگهوة) عادة مناقشة المسائل والمشاكل العامة وعقد الصفقات التجارية والمالية وإجراء التسويات المختلفة. وبين هذه وتلك يتم تبادل النكات والطُرف والمقالب ألأخوانية. او ألإنصات الى دندنات زميل لإيضاح مقام او بستة او مربع او عتابة او أبوذية. وبين الحين وألآخر نسمع صوت صاحب المقهى وهو ينادي: (تعال أخُذْ تِتن من عمكْ أبو محمد). ويأتيه الجواب فورا ((جاكْ )).
وكان المقهى يؤثث بالتخوت والتخت هو الاريكة الخشبية ، و في المقاهي كان للتخت طقوس معينه . من ذلك ان وجهاء القوم كان واحدهم يستأثر بالتخت بمفرده او مع وجيه اخر ، فيجلسان في الطرف اي ( رأس التخت ) ومن ثم يضعون بجانبهم مقتنايتهم الشخصية ككيس التبغ الخاص بالنركيلة ومفتاح الدار وغيرها ، ومن طريف ما يذكر هنا قول احد المفاليس الذي حلم ان يصبح من الوجهاء فقال :

 لابد ما نغتني والفقر ما هوْ عيبْ ..... ونكعد براس التخت ونخرخِشك يا جيب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق