الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

عصافير النبكة
احمد القيسي
1- العرب اهل صحراء
عندما دخلوا العراق لم يستسيغوه في البداية وخاف عليهم قادتهم ان تتغير طباعهم البدوية المكتسبة من عيش الصحراء وان تسترخي اجسامهم وتترهل باجواء العراق حيث الظلال والخضرة وكثرة المياه ومن ورائهم ثمة جهاد وفتوح .
حتى الجياد العربية معروفة بصغر حجمها ورشاقتها وخلوها من الشحوم ، هكذا كانوا ....
وكان ان انشأوا معسكراتهم ومدنهم على اطراف الصحراء ليبـقـوا يتنسمون هوائها الجاف الصافي فكانت الكوفة والبصرة ....
لكنهم كسروا هذه القاعدة عند استقرار دولتهم وتمددها الى اطراف العالم القديم وتذوقهم حياة البذخ والرفاهية لكثرة الخراج والواردات فكان ان بنوا عاصمتهم في وسط الخضرة والمياه في اراضي كلواذة بين النهرين العظيمين دجلة والفرات.
نرجع الى موضوعنا الرئيس
اهل محلتنا البوشبل الكروية القيسية ذوي اصول بدوية حملوا عاداتهم معهم عند توطنهم في بغداد فكانوا على اطراف العمار فيها لذلك سموا سكنهم ( الطرف ) فكانوا طرفا لمحلة قنبرعلي العريقة التي كانت مركزا لعدد من الاطراف وتحوي سوقهم وجامعهم ومقاهيهم ومدارسهم ...
وكان ما بعد طرف البوشبل خلاء يمتد حتى سور المدينة عند مقبرة الوردية التي وهبت ارضها للشيخ السهروردي ودفن فيها وصارت الناس تدفن موتاها هناك تبركا به ...
والكروية عندما وطنـّوا في خاصرة العراق أيام سليمان القانوني و أيام حفيده مراد الرابع كان توطينهم في اراضي حمرين الجرداء ونازلا منها حتى اطراف مندلي ، قليل من هذه الاراضي تحوي بساتين وظلال منها منطقة قزلرباط ( السعدية ) وجلولاء وقرة تبة تلك الرابيه في وسط محيط اجدب من سلاسل حمرين التي تبدوا من بعيد كعلامة سوداء فسميت بالربوة ( تبة ) والسوداء ( قرة او كارا )
  صورة حمود النجم الكروي القيسي 1890
 2- البوشبل التي انشأت بيوتها على ربوة عالية تنحدر من جهة بأتجاه محلة قنبرعلي وهذا المنحدر يسمى ( الدهدرينة ) وتتوزع البيوت على جانبيه ليصب قي نهايته بسوق قنبرعلي ومحلات الباعة فيه ، ومن الجهة الاخرى تطل البوشبل على منخفض بسمى ( النزيزة ) ترشح فيه المياه الجوفية تاركة عند تبخرها الاملاح المتزهرة حيث يتوارد عليها من يجمّعها ويجففها ليستفاد منها في اعمال كثيرة .
كانت البوشبل قبل استيطان الكروية فيها مجمعاً لابناء عشيرة ( آل أبو شبل ) كما هو حال محلات بغداد المتطرفة التي نشأت في مراحل متأخرة من تاريخ بغداد والتي سميت باسماء العشائر التي سكنتها ولم تسمى باسماء أماكن او معالم او مهن او صفات معينة  ، حالها حال طرف ( ال أبو مفرج ) نسبة لعشيرة من القيسية وحال طرف العزة نسبة لعشيرة العزة  .
حمل الكروية معهم اساليب حياتهم التي كانوا عليها قبل مجيئهم الى حاضرة بغداد ولزموا تقاليدهم التي كانوا عليها واولها عصبيتهم القبلية ، و تفاخر رجالهم بامجاد القبيلة و تاريخها واحتفظوا باسيافهم ورماحهم العوالي وشاراتهم ونياشينهم وتفاخروا بالقابهم التي اغدقتها عليهم الدولة العثمانية العلية جراء اعتمادها عليهم في فتوحاتها فكان منهم البيجات ( البيكات ) وكان منهم الاغوات  ، وظلت نسائهم يمسكن بيوتهن ويقرن فيها يغزلن الصوف وينسجن منه لباسهم وان خرجن الى غاية ما سترن انفسهن بثلاث عباءات من الصوف واحدة تلف على الرأس واخرى ترتدى على الاكتاف والاخيرة تغطيهن من الرأس الى القدم فلا يكاد يبان منهن ملمح .
ولا يكاد بيت يخلو من تراثهم فتجد ادواتهم المنزلية التي كانوا يتعاملون بها في مرابع العشيرة من بسط وفجج الصوف و لولات الريش والمشربات والصواني والقدور النحاسية و قرب الماء وشجوة اللبن وعكة الدهن الحر والجاون الخشبي .
3- على تلك الربوة لم تكن هناك فسحة في الارض تسمح بانشاء بيوت واسعة لعوائل الكروية التي استقرت هناك وانشأت درابينها الخاصة حيث كانت المحلة مقتصرة على دربونة او اثنتين تسكنها عوائل الشبالوة القديمة وعدد من عوائل اليهود ، مما جعل الناس تمتد في سكنها على منحدرات الربوة وحافاتها نزولا الى الاجزاء المنخفضة باتجاه محلتي الخالدية والطاطران ، تداخلت البيوت باشكال هلامية فكان للبعض منها مجاز طويل ينتهي بفسحة الحوش او قد يكون المجاز قصيرا او يكون بلا مجاز ، اما فسحة الحوش التي تتوزع غرف المنزل حولها فبعضها صغيرة بالكاد تسمح بدخول اشعة الشمس وقليل من البيوت احواشها كبيرة واسعة ، وكان لبعض البيوت اطلالات على جيرانهم بشباك او اكثر ولم يكن هذا الشيء مكروها خصوصا اذا عرفنا ان كثير من المتجاورين تجمعهم قرابة ونسب ، وفي الغرف التي لم يكن لها اطلالة او شباك على حوش الدار كان لها فتحة في السقف تسمح بدخول اشعة الشمس لتنير الغرفة الدجية ومداورة الهواء داخلها وتسمى هذه الفتحات ( سماية ) ، كانت غرف بيتنا الداخلية تحوي هذه السمايات و كنت استمتع بمراقبة شعاع الشمس الداخل عبرها تتراقص فيه ذرات يحملها هواء الغرفة الساكن ويدور الشعاع حول ارجاء الغرفة بدوران الشمس وتغير موقعها ليرسم عالما سحريا على الجدران العتيقة للغرفة ، وايضا كنت اتابع هذا الشعاع في الطبكة الخشبية القديمة التي كان يستلقي فيها جدي منعزلا بعيدا يغرق في صمته وظلمته ، ويزيد في سحر المكان تراقص دخان السكائرالذي ينفثه جدي في شعاع الشمس الساقط من تلك السماية .
صورة حمود النجم الكروي القيسي اول مختار لمحلة البوشبل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق