الثلاثاء، 13 ديسمبر 2016

عصافير النبكة ( 2 )
احمد القيسي

في اواسط الاربعينات وبعد ان شقت الدولة العراقية الحديثة شارع الكفاح الذي ابتلع اجزاء كبيرة من طرف البوشبل وفصله عن امه محلة قنبرعلي وامتداداتها في سوق حنون الكبير والصغير وعكد الدجاج ، جاء فصل اخر ليستقطع اجزاء اخرى من محلتنا وليتم القضاء على جزء كبير من الدهدوانة وانسيابيتها باتجاه مركز قنبرعلي ، والفصل الجديد كان شق شارع عرضي يربط شارعي الكفاح والشيخ عمر ، لينساب بعد اختراقه محلتنا الى فضاء خالي في منخفض النزيزة ومنه الى شارع الشيخ عمر الذي تنتهي عنده حافات محلات بغداد القديمة حيث كان يتكون عنده مجرى لتسريب مياه الصرف الصحي لهذه المحلات ابتداءا من الجوبة الى عزة الطوالات وقرة شعبان الى الخالدية والطاطران حتى الميزرة (المجزرة ) وهكذا باتجاه جنوب بغداد بموازات سورها الشرقي القديم وكان يطلق على مجرى مياه الفضلات هذا اسم ( شطيط )، والذي تم ردمه عند انشاء شارع الشيخ عمر السهروردي وكان ما بعده خلاء واسع حتى السور والمقبرة التي عنده وكان اهلنا يطلقون على هذا الخلاء ( الجول ) وهي كلمة تركية تعني ذلك .
لكن شق شارع السباع لم يعد بالسوء على محلتنا فقط وانما كان فيه خيرا ايضا ( وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) اذ ان حكومة العهد الملكي حكومة بناء وتمتلك مشروع لبناء الدولة العراقية الجديدة على احدث نظم ذلك العصر ، فكان ان استدعت فنانا ايطاليا ليقوم بتصميم حدائق غناء في مكان النزيزة المجاورة لمحلتنا ويتوسطها نصب سباع مستوحى من قصر الحمراء في غرناطة الاندلس طبع هذا النصب اسمه على الشارع الذي شق حديثا فصار شارع السباع وكانت حدائق السباع الجميلة في قلب بغداد القديم المتهالك تنعشه وتبعث فيه الحياة .
ارتبطت حدائق السباع بمحلتنا ارتباطا روحيا فكانت تعويضا لجزءها الذي فقدته بعملية شق شارعي الكفاح والسباع ، وما ان تذكر اسم محلتنا حتى يذكر شارع السباع وحدائقه الغناء ، وصار اهل المحلة يترددون على هذه الحدائق صغارهم وكبارهم نسائهم ورجالهم .
5- لحدئق السباع تأثير كبير على نفسية اهالي محلتنا ، حمل تطور البنية التحتية للدولة العراقية الكثير من التأثيرات على نفسية المواطن العراقي المعتمة التي لم تكن تعرف الا الموت والدمار بالحروب والكوارث الطبيعية والامراض ، كثير من اهالي المحلة فقدوا اعزاء عليهم فذاك الذي ذهب الى معارك الدولة العثمانية مثل (دكة الغربية ) وتسميات اخرى ولم يعودوا وان عادوا فهم يعودوا بخفي حنين لا تقييم ولا اهتمام وربما حمّلوا بعوق او عاهة مستديمة  ، وربما فقد البعض الاخر اعزائهم في الفيضانات المتكررة على بغداد او في انتشار الامراض اثرها أمثال الطاعون او الكوليرة او حتى الحصبة ، وتغير الحال بتكوين الدولة العراقية الحديثة ووجود نيات صادقة للتطور وتوفير الخدمات للمواطنين .
وما انشاء الشوارع وتبليطها وزراعة الحدائق في ارجاء المدينة الا سعي صادق للتطوير ، واضافة الى حديقة السباع كانت هناك عدد من الحدائق في زوايا وساحات اخرى قريبة ومنها حديقة مجاورة لمستوصف كان يطلق الاهالي عليه ( مستشفى الحليب ) كونه كانت فيه رعاية للحوامل والاطفال ويوفرون فيه تغذة صحية للاطفال الرضع حليب مجفف او طازج وتقع في نهاية محلة الطاطران المطلة على شارع الشيخ عمر وحديقة اخرى في ساحة صغيرة عند باب الشيخ تتوسط شارع الشيخ عمر و زاوية عند مستوصف الفضل الذي صار لاحقا مستشفى الطواريء .
وانشئت مستشفى السباع في طرف ساحة السباع الشرقي مطلة على حدائق السباع الغناء وهذه المستشفى في هذه المنطقة الشعبية كان لها دور كبير في حياة اهالي محلتنا والمنطقة عموما لما وفرته من رعاية صحية في متناول اليد وكثير منا حصل على خدمات هذه المستشفى .

كانت الحدائق والاعتناء بزراعتها تبهر الشباب والكبار، والكثيرين من اهالي محلتنا تصوروا فيها ، وكان للحدائق عدد من العاملين على ادامتها وحراستها ولقد مر علينا في مواضيع سابقة الكلام عن حارسها العتيد ابن محلتنا الشخصية الاسطورية ( ابو خرمة ) ، وعند مجيء عيد زكريا الذي يواضب اهل محلتنا على الاحتفال فيه كانت النساء تتقاطر على حدائق السباع للحصول على اغصان نبات الياس الذي لا تكتمل صينة الزكريا الا به ، يزينّ به الصواني مع الشموع ليرسل رائحته الزكية في ارجاء الاواوين ، لكن ابو خرمة لهن بالمرصاد ان لم يستأذن منه ويبدين ضروب الاحترام .
عصافير النبكة
احمد القيسي
1- العرب اهل صحراء
عندما دخلوا العراق لم يستسيغوه في البداية وخاف عليهم قادتهم ان تتغير طباعهم البدوية المكتسبة من عيش الصحراء وان تسترخي اجسامهم وتترهل باجواء العراق حيث الظلال والخضرة وكثرة المياه ومن ورائهم ثمة جهاد وفتوح .
حتى الجياد العربية معروفة بصغر حجمها ورشاقتها وخلوها من الشحوم ، هكذا كانوا ....
وكان ان انشأوا معسكراتهم ومدنهم على اطراف الصحراء ليبـقـوا يتنسمون هوائها الجاف الصافي فكانت الكوفة والبصرة ....
لكنهم كسروا هذه القاعدة عند استقرار دولتهم وتمددها الى اطراف العالم القديم وتذوقهم حياة البذخ والرفاهية لكثرة الخراج والواردات فكان ان بنوا عاصمتهم في وسط الخضرة والمياه في اراضي كلواذة بين النهرين العظيمين دجلة والفرات.
نرجع الى موضوعنا الرئيس
اهل محلتنا البوشبل الكروية القيسية ذوي اصول بدوية حملوا عاداتهم معهم عند توطنهم في بغداد فكانوا على اطراف العمار فيها لذلك سموا سكنهم ( الطرف ) فكانوا طرفا لمحلة قنبرعلي العريقة التي كانت مركزا لعدد من الاطراف وتحوي سوقهم وجامعهم ومقاهيهم ومدارسهم ...
وكان ما بعد طرف البوشبل خلاء يمتد حتى سور المدينة عند مقبرة الوردية التي وهبت ارضها للشيخ السهروردي ودفن فيها وصارت الناس تدفن موتاها هناك تبركا به ...
والكروية عندما وطنـّوا في خاصرة العراق أيام سليمان القانوني و أيام حفيده مراد الرابع كان توطينهم في اراضي حمرين الجرداء ونازلا منها حتى اطراف مندلي ، قليل من هذه الاراضي تحوي بساتين وظلال منها منطقة قزلرباط ( السعدية ) وجلولاء وقرة تبة تلك الرابيه في وسط محيط اجدب من سلاسل حمرين التي تبدوا من بعيد كعلامة سوداء فسميت بالربوة ( تبة ) والسوداء ( قرة او كارا )
  صورة حمود النجم الكروي القيسي 1890
 2- البوشبل التي انشأت بيوتها على ربوة عالية تنحدر من جهة بأتجاه محلة قنبرعلي وهذا المنحدر يسمى ( الدهدرينة ) وتتوزع البيوت على جانبيه ليصب قي نهايته بسوق قنبرعلي ومحلات الباعة فيه ، ومن الجهة الاخرى تطل البوشبل على منخفض بسمى ( النزيزة ) ترشح فيه المياه الجوفية تاركة عند تبخرها الاملاح المتزهرة حيث يتوارد عليها من يجمّعها ويجففها ليستفاد منها في اعمال كثيرة .
كانت البوشبل قبل استيطان الكروية فيها مجمعاً لابناء عشيرة ( آل أبو شبل ) كما هو حال محلات بغداد المتطرفة التي نشأت في مراحل متأخرة من تاريخ بغداد والتي سميت باسماء العشائر التي سكنتها ولم تسمى باسماء أماكن او معالم او مهن او صفات معينة  ، حالها حال طرف ( ال أبو مفرج ) نسبة لعشيرة من القيسية وحال طرف العزة نسبة لعشيرة العزة  .
حمل الكروية معهم اساليب حياتهم التي كانوا عليها قبل مجيئهم الى حاضرة بغداد ولزموا تقاليدهم التي كانوا عليها واولها عصبيتهم القبلية ، و تفاخر رجالهم بامجاد القبيلة و تاريخها واحتفظوا باسيافهم ورماحهم العوالي وشاراتهم ونياشينهم وتفاخروا بالقابهم التي اغدقتها عليهم الدولة العثمانية العلية جراء اعتمادها عليهم في فتوحاتها فكان منهم البيجات ( البيكات ) وكان منهم الاغوات  ، وظلت نسائهم يمسكن بيوتهن ويقرن فيها يغزلن الصوف وينسجن منه لباسهم وان خرجن الى غاية ما سترن انفسهن بثلاث عباءات من الصوف واحدة تلف على الرأس واخرى ترتدى على الاكتاف والاخيرة تغطيهن من الرأس الى القدم فلا يكاد يبان منهن ملمح .
ولا يكاد بيت يخلو من تراثهم فتجد ادواتهم المنزلية التي كانوا يتعاملون بها في مرابع العشيرة من بسط وفجج الصوف و لولات الريش والمشربات والصواني والقدور النحاسية و قرب الماء وشجوة اللبن وعكة الدهن الحر والجاون الخشبي .
3- على تلك الربوة لم تكن هناك فسحة في الارض تسمح بانشاء بيوت واسعة لعوائل الكروية التي استقرت هناك وانشأت درابينها الخاصة حيث كانت المحلة مقتصرة على دربونة او اثنتين تسكنها عوائل الشبالوة القديمة وعدد من عوائل اليهود ، مما جعل الناس تمتد في سكنها على منحدرات الربوة وحافاتها نزولا الى الاجزاء المنخفضة باتجاه محلتي الخالدية والطاطران ، تداخلت البيوت باشكال هلامية فكان للبعض منها مجاز طويل ينتهي بفسحة الحوش او قد يكون المجاز قصيرا او يكون بلا مجاز ، اما فسحة الحوش التي تتوزع غرف المنزل حولها فبعضها صغيرة بالكاد تسمح بدخول اشعة الشمس وقليل من البيوت احواشها كبيرة واسعة ، وكان لبعض البيوت اطلالات على جيرانهم بشباك او اكثر ولم يكن هذا الشيء مكروها خصوصا اذا عرفنا ان كثير من المتجاورين تجمعهم قرابة ونسب ، وفي الغرف التي لم يكن لها اطلالة او شباك على حوش الدار كان لها فتحة في السقف تسمح بدخول اشعة الشمس لتنير الغرفة الدجية ومداورة الهواء داخلها وتسمى هذه الفتحات ( سماية ) ، كانت غرف بيتنا الداخلية تحوي هذه السمايات و كنت استمتع بمراقبة شعاع الشمس الداخل عبرها تتراقص فيه ذرات يحملها هواء الغرفة الساكن ويدور الشعاع حول ارجاء الغرفة بدوران الشمس وتغير موقعها ليرسم عالما سحريا على الجدران العتيقة للغرفة ، وايضا كنت اتابع هذا الشعاع في الطبكة الخشبية القديمة التي كان يستلقي فيها جدي منعزلا بعيدا يغرق في صمته وظلمته ، ويزيد في سحر المكان تراقص دخان السكائرالذي ينفثه جدي في شعاع الشمس الساقط من تلك السماية .
صورة حمود النجم الكروي القيسي اول مختار لمحلة البوشبل

الثلاثاء، 25 أكتوبر 2016


تكون العقل اليهودي العراقي عبر التاريخ

نشرالسيد (ابراهيم حمزة) في صحيفة (ايلاف) مقالا بعنوان ( هل انتهى عهد الغرام اليهودي باللغة العربية ) بتاريخ 20 تموز ، 2008 اثار فيه عددا من المسائل المهمة يمكن تلخيصها بصيغة تساؤلات من مثل : لمِ َهجر الكثير من الكتاب العرب الأسرائيليين اللغة العربية والتجأوا الى اللغة العبرية لكتابة نتاجهم الفكري ؟. و سؤال مقابل : ولمِ َظل كتاب يهود اسرائيليون متمسكين بالعربية رغم ان قراءها في اسرائيل يتناقصون باستمرار؟. ثم عرج الى مسألة أخرى حيث تساءل فيها السيد (خالد القشطيني ) عن السبب في فشل الكتاب العراقيين في إيجاد جسور بينهم وبين المحيط الفلسطيني العربي . فرأى ان العرب الفلسطينيين نظروا اليهم كمغتصبين لإرضهم . كما ان اليهود الأشكناز ( الغربيين) كانوا يشككون بولائهم التام لدولة إسرائيل ولأن معظمهم كان ذا ميول (ماركسية اوتقدمية ) مما دفعهم لتغير مواقفهم لأثبات ولائهم للدولة . ثم طرح مسألة في غاية الإهمية وهي تحول كتاب عرب من الكتابة بالعربية الى العبرية فاستشهد بالكاتب السيد ( نبيل عودة) الذي قدم لنا نظرية خاصة به لكنه تمنى ان تصبح نظرية لغوية شاملة ، ومفادها ان اللغة العبرية اكثر تطورا واكثرقدرة على تفهم اللغات ألأخرى.

وسوف نناقش المحورالأول المتصل بالخلفية التاريخية والثقافية لليهود العراقيين ، تلك التي صاغت فيما بعد شخصيتهم اليهودية / العراقية المتميزة ومن ثم تواجدهم وسلوكهم وتأقلهم في بيئة حياتية جديدة. ولكي يطلع القارئ الكريم على العوامل التأريخية والفكرية والإجتماعية التي فعلت فعلها في تشكيل شخصية المواطن اليهودي العراقي ينبغي ان نستعرض باختصار ظروف حياته الماضية منذ وجوده التأريخي الأول وحتى استيطانه في اسرائيل .

يرجع وجود الطائفة اليهودية في العراق الى زمن بعيد حين قام (نبوخذ نصر) بأسر اعداد كبيرة منهم وسبيهم وجلبهم الى دولة بابل ، وذلك في القرن الساس قبل الميلاد . ثم قام القائد الفارسي كوروش بعد ذلك باحتلال وتدمير دولة بابل عام 538 ق.م فاعاد قسما منهم الى فلسطين ، بينما بقي القسم الاعظم في العراق سنوات طويلة فعاشوا تحت ظل الحكم الساساني الفارسي والحكم الاغريقي اكثر من عشرة قرون وحتى الفتح الاسلامي ، بداية القرن السابع الميلادي . وفي بابل كتب احبار اليهود التلمود البابلي المعول عليه كثيرا . حتى ليقال مجازا بان الديانة اليهودية ديانة بابلية . وكان هذا العامل احد دوافع تعلقهم بتراب العراق الى جانب وجود انبياء لهم مثل النبي ابراهيم الذي عاش في مدينة (أور) قرب الناصرية والنبي (حزقيال) او (ذو الكفل) ومرقده في قرية (الكفل) حيث يزوره المسلمون ايضا ، وكذلك ( عزرا) الكاتب ومقامه في منطقة (العزير) في جنوب العراق ، والكاهن (يوشع) في جانب (الكرخ) . ولقد سارت حياتهم بسلاسة وهدوء نسبي حتى مغادرتهم العراق بعد قيام اسرائيل عام 1948. 

لقد عاش اليهود في ظل الدولتين الأموية والعباسية حياة كريمة . فقد قدمت لهم الدولة الحماية والرعاية في مقابل الخدمات الكبيرة التي شاركوا هم بها . يقول الرحالة اليهودي بنيامين القطيلي حين زار العراق في القرن السادس الهجري بان اليهود الذين تجاوزعددهم ألأربعين الفا كانوا يتمتعون بحياة مرفهة كريمة وكانوا يمارسون اعمالهم التجارية والحرفية بحرية تامة . وكانت لحبرهم الاكبرحظوة خاصة لدى الخليفة العباسي . وقد ساعدهم على تبوء تلك المنزلة التزامهم بقيم المواطنة والتصرف بحكمة في تناول الامور. وكان فيهم الحكيم والطبيب والصيدلي والمترجم والمعلم والتاجر والمالي . و فيهم ايضا الصناع والحرفيون المهرة . وهذه كلها عوامل تجعلهم جزأ فاعلا في المجتمع واساسا لأحترام متبادل بينهم وبين غالبية السكان من المسلمين وبقية الطوائف الأخرى . وحتى في احلك الظروف ، يوم حكم العراق المغول والتتر والأتراك والمماليك وتعرضوا الى الإبتزاز والإرهاب لدفع الخاوات الى الولاة ورؤساء الشرطة والمحتسبين والأشقياء تجدهم قد تصرفوا بحكمة وحنكة وصبر لتجاوز المواقف الصعبة . وتروىَ عنهم روايات وطرائف كثيرة تدل على تمتعهم بتلك الخصال الفريدة التي مكنتهم من النجاة بأنفسهم حين تعرضوا الى مخاطر. فقد عركتهم التجارب والمحن وزودتهم بقدرات فريدة على استشعار الخطر قبل وقوعه . فكانوا شديدي الحذر ويعملون في كتمان شديد وتمويه ذكي يحسدون عليه . والغرض من ذلك هو لصرف وتشتيت اذهان من يريد بهم شرا . وقد اثار مثل هذا العمل حفيظة المتعاملين معهم بل وحتى اقرب اصدقائهم من المسلمين إذ يحسبون ذلك عرضا من الشك وانعدام الثقة بالآخرين .

واليهود شأنهم شأن اية اقلية تعيش وسط اكثرية لها عقيدتها وثقافتها ولغتها السائدة ينبغي عليها ان تتفاعل ايجابا مع محيطها الحيوي ، فتأخذ ما تراه نافعا لها وللمجتمع ، وفي الوقت ذاته تجد نفسها مطالبة بتقديم ما لديها من قدرات وطاقات خلاقة يفيد منها المجموع ، ولتظل على الدوام موضع ثقة . ولعل العراقيين يتذكرون اول وزير مالية عراقي وهو (ساسون حسقيل) الذي استجاب لنداء الواجب الوطني عام 21 ليشغل ثاني اكبر منصب سياسي/ اداري في المملكة الفتية.

وعلى العموم ، فقد عاشت الطائفتان المسلمة واليهودية في تكامل وتكافل ووئام ، وأحيانا وكأنهما طائفة واحدة متجانسة ، كما حصل في عدد من التجمعات السكانية الكبرى في بغداد (ابو سيفين والبو شبل وقمبرعلى والبتاويين) و كذلك في الحلة والبصرة والعمارة.

وقد نجانب الصواب لو قلنا بانه لم يحصل ما يعكر صفو تلك العلاقة المتوازنة طيلة آلاف السنين من العيش المشرك . والواقع انه قد حصلت هنا و هناك حوادث مؤلمة ، او حتى مظالم قاسيية ، لكنها لم تترك آثارا غائرة في النفوس ، لأنها لم تكن بسبب خلافات عقائدية اودينية عميقة ، وانما حصلت لأسباب عارضة او مفتعلة ، لذلك تم تجاوزها بتعاون حكماء الطائفتين . فالإحتكاك بين الطوائف المختلفة او التمييز بينها على اساس الدين او القومية او اللون ظاهرة مألوفة . بل وقد تجدها حتى ضمن الطائفة الواحدة.

وقد نذكر مثالا ما يزال حيا في ذاكرة العراقيين وهو ما حصل أثناء قيام حركة (رشيد عالي الكيلاني) من مآس نالت بأذاها كلا من اليهود والمسلمين على حد سواء ، تلك الحركة التي اتسمت بالغلو القومي وبالنفور من الطرف ألآخر واحتقاره احيانا . وقد رفعت تلك الحركة شعار مقاومة النفوذ البريطاني الذي كان مطلبا عاما. ثم انحرفت باتجاه التحالف مع المانيا النازية متصورة بانها بذلك ستعزز من رصيدها بين الناس . 

وبعد تفجير تلك الحركة وانطلاق اول رصاصة منها أندفعت فلول العسكر المرتبك والعصابات المنظمة والغوغاء وبسطاء الناس . فعمت الفوضى بعض مناطق بغداد وخصوصا تلك التي تقطنها الطائفة اليهودية بإستثناء البعض منها حيث قام المسلمون بحمايتهم والحفاظ على ممتلكاتهم وأموالهم كمحلة (البو شبل) مثلا . كما قامت عوائل مسلمة كثيرة بحماية جيرانهم واصدقائهم من اليهود هنا وهناك مما يتعذر حصره . وقد ساعدت تلك الهمة القعساء على تقليل الخسائر البشرية بين المواطنين اليهود الى حد كبير .

وقد سعت بريطانيا وانصارها من الطائفتين والوصي على العرش(عبد الإله) والساسة الموالين له والذين سبق وان تخلصوا من الملك الشاب (غازي) على اثرحادة مريبة ، وكذلك انصار المعسكر المناهض ، وعلى رأسهم جماعة (الكيلاني) ، للتحريض على الإقتتال وسفك الدماء ونهب ممتلكات اليهود ولأشعال فتنة طائفية شاملة تطال طوائف أخرى كما شاع في حينها ، وذلك سعيا وراء مكاسب سياسية لاتخفى على المراقب المحايد . هذا فضلا عن ألإساءة الى الشعب العراقي وتأليب العالم عليه. وقد اطلق على تلك الاحداث المأساوية اسما مثيرا وهو (الفرهود) ، إذ راح ضحيتها ما بين 150 ـ 200 شخص واصيب اضعاف هذه الأعداد بحسب تقديرات المؤسسات المختصة يومها . كما تم تدمير ونهب الكثير من الممتلكات الخاصة باليهود وبعض المرافق الحكومية . وقد انتهز اصحاب الثارات الشخصية هذه الفرصة النادرة للإنتقام والإقتصاص من اعدائهم ، فقام نفر من هؤلاء بالوشاية بأعدائهم الأبرياء لدى الإنكليز والسلطة المحلية ، وقيل بأيحاء منهما ، لفرض الأمن بالقوة ونشر الخوف وتعزيز هيبة الحكومة الجديدة ، حيث تم القاء القبض عليهم واعدامهم بعد محاكمات سريعة . وقد اثار هذا الفعل غضب واستنكار العراقيين في حينه . وقد علق البعض بأنه كان على القوات البريطانية ، إن كانت جادة ، ان تبادر الى مثل تلك الإجراآت الحازمة قبيل تفجر الأحداث لدرئ وقوعها .

والحقيقة ، فان المنتفع الأول من آثام تلك الحركة الإجرامية الطائشة هم البريطانيون والسلطة القائمة والحركة الصهيونية بخاصة والتي استثمرتها سياسيا الى آبعد مدى ، فجعلت منها واحدة من النكبات التأريخية الكبرى . وقد ظهرت انعكاساتها وارتداداتها المتلاحقة بعد عام 50 ، حيث بدأت التفجيرات هنا وهناك ، فواكبتها حملة توزيع منشورات او دعوات شفهية من المنظمات الصهيونية في دور العبادة والمقاهي تطالب اليهود بمغادرة العراق فورا والذهاب الى اسرائيل . وهو امر لم يكن غير طبيعي وغيرمتوقع . كما لم يكن امرا غريبا ان يتطابق هذا السيناريو مع آجندات الحركات القومية والدينية المتطرفة وبعض الساسة من انصار الحكومة والإنكليز حيث قامت بتوزيع منشورات مماثلة تطالب بطرد جميع اليهود من العراق . 

لقد سارت الأحداث المأساوية في طريقها المرسوم ، وحصل ما حصل . إذ دخلت القوات البريطانية بغداد واللصوص والقتلة منهمكون بعمليات النهب والسلب والقتل والتعذيب وجرد الغنائم وتقييمها. وقد علمنا بان رئيس الطائفة اليهودية السيد (ساسون خضوري) ، اذا لم تخني الذاكرة ، قد طالب بنفسه وبشدة بتدخل الجيش البريطاني لحماية الطائفة اليهودية دون جدوى . وقد راح الناس ينظرون الى مشاهد هذه المأساة الإنسانية المفتعلة والألم ينهش في احشائهم . وقد حصلت من الأحداث والتعديات القاسية ما لايتسع المجال لذكره . واستمر الحال على هذا المنوال قرابة اليومين . وقد اختار مشعلو الفتنة ، ولعل ذلك كان عن سابق تصميم ، اياما مقدسة عند (اليهود) وهو نهار السبت الذي يطلقون عليه محليا (الشبوث). وكان الصبية المسلمون في (ابو شبل) و(ابو سيفين) ساعتها منهمكين في إضاءة السُرُج والكوانين في منازل اليهود بإنتظار(البخشيش) من الحلوى ، وكعادتهم دائما في مثل هذه المناسبات .

وفي تلك الأثناء كنا نشاهد الطائرات البريطانية ذات اللونين الأبيض والأسود تحلق في سماء بغداد وتحوم حول مناطق اليهود بالذات وبارتفاع منخفض جدا! . ونتذكر جيدا كيف قام رئيس المحلة (الطرف) بأطلاق النارعلى احدى الطائرات من بندقيته الخاصة مما حمل الطيار الإنكليزي على الإنتقام الفوري بالقاء قنبلة يدوية على الصبية المتجمهرين ، من اليهود والمسلمين ، حول مزبلة (ابو شبل ) فتناثرت الأزبال والشظايا فوق رؤوسهم مما اثار الرعب بين سكان المحلة . وقد شاهد البغداديون احدى تلك الطائرات في السينما الوطني بعد اسقاطها.

ولعل البعض يتساءل : لِمَ اشتعلت تلك الأحداث في بغداد العاصمة لوحدها ، وعلى ذلك النحو المأساوي ، في الوقت الذي انتشر في شوارعها وازقتها ألآف الجنود الإنكليز و(الگورگة) والعربات المدرعة ، وحلقت في اجوائها الطائرات بينما لم تشتعل في مدينة (الحلة) ، مدينة الكاتب الكبير(انور شاؤول) ، حيث تعيش بين ابنائها طائفة يهودية عمرها تأريخ العراق ؟.

ولقد اصدرالحكام الجدد التحذيرات والإنذارات المعتادة في مثل تلك الأحوال ولكن بعد فوات الأوان . ولم تنس تلك القوات ان تبلغ الناس عن طريق (الدلالين) و(المخبرين) بأن لدى (ابو ناجي) ، وهي كناية الإنكليز، قطة ( بزونة ) ذكية بمقدورها كشف المسروقات عن طريق حاسة الشم حتى وان تم اخفاؤها في باطن الأرض!. فاذا بالساحات العامة و(الفضوات) تمتلئ بالمنهوبات من كل صنف ولون . بينما راح الحمالون والعربات والدواب العائدة الى المتنفذين والتجار والسياسيين والأشقياء ينقلونها الى منازلهم ومخازنهم !. ولعل من المشاهد المثيرة للضحك ان ترى بين اللصوص صبية من عامة الطائفة اليهودية!. وفي الوقت الذي تعالت فيه الإستغاثات من دور(ابو سيفين) و (فرج الله) المتهالكة نجد نسوة (ابو شبل) من اليهوديات والمسلمات يتربعن في الطرقات امام منازلهن ويتفرجن بعيون دامعة على تلك المشاهد المؤلمة. 

ولقد اصبحت تلك الاحداث المؤلمة مدعاة للأسى والإستياء العام في حينها. وكان الخاسر الأكبر من تلك الجريمة النكراء المصنعة هو الشعب العراقي البريء وبكل طوائفه وفئاته . والمثير للتساؤل والإستغراب حقا هو اننا ما نزال تقرأ لكتاب راحوا يسطحون تلك المأساة الإنسانية ويجردونها من دوافعها السياسية المفبركة ويعزونها الى مجرد واقعة نهب وقتل قام بها الغوغاء من العراقيين . ولم يكتف البعض بذلك بل راح يضع لنا نظريات (سايكولوجية ) غريبة يزعم بها بان ما حصل عرض لداء اوطبع خاص بالشخصية العراقية!. 

وكان لنجاح تلك الخديعة (الإنكليزية) الكبرى والتي اتخذت صورة المأساة الإنسانية المؤلمة ان استنسخها الأميركان بتفاصيلها وحواشيها ابان غزوهم للعراق في نيسان ، عام 2003 ، حيث اطلقوا العنان للعصابات المنظمة ، دولية ومحلية ، والمجرمين والدهماء وبسطاء الناس بنهب المتحف العراقي والمؤسسات الأخرى وعلى نطاق واسع ، مع استثناء واحد وهو انهم نسوا ان يجلبوا معهم (القطة الذكية!) وكادرها التقني للإستعانة بهم!. 

وقد يثيرالأتهام المتواصل الموجه نحو العراقيين بأنهم شعب يجنح نحو الكراهية والعنف والشر اتجاه (اليهود) إشكالية فكرية تستلزم تفسرا وايضاحا . إذ كيف سنوفق بين هذه المزاعم وبين الوقائع الواردة سابقا والتي تقول بان المسلمين واليهود عاشوا بسلام ووئام طوال قرون؟. وهاهم حكماء اليهود وعلماؤهم وادباؤهم وشعراؤهم ، قديما وحديثا ، يذكرون مآثر ومناقب بلاد الرافدين الطيب أبناؤها والعذب ماؤها واللذيذ طعامها والعليل نسيمها ، و كما وصفته اقلام المفكرين والأدباء والشعراء الكبار من امثال (ابراهيم عوبديا) و(انور شاؤول) و(مير بصري) و(سمير نقاش) و(شموئيل موريه) و(سلمان درويش) و(اسحاق بارموشي) و(مراد ميخائيل) و( ديفيد سيمح) و(مراد العماري) و(ليليان دبي) و(يعقوب بلبول) وغيرهم . وكذلك ما نشره مفكرون وسياسيون في الصحافة العلنية مثل (سليم البصون) و(حسقيل قوجمان) وغيرهما . وما سمعنا من افواه اكاديميين واساتذة وأطباء وصيادلة ومعلمين وقراء مقام ومغنين وموسيقيين و آلاف من المواطنين البسطاء . وقد لن انسى ابدا ما اسرني به احد ابناء الطائفة (اليهودية) ، والدموع تترقرق في عينيه ، بانه سوف يفتقد شيئين عزيزين على قلبه اذا ماترك البلد ، وهما : ( نومة السطحْ وميوة العراق !) ( والميوة هي الفاكهة) . أفهناك مشاعر وطنية اكثر طيبة وصدقا يمكن ان يجدها المرء خارج أحرف تلك العبارة الفطرية البسيطة؟. فلو نحن نقبنا ما بين جوانح كل يهودي غادر العراق فسنكتشف بأنه قد اودع العراق سرا من اسرار كينونته العراقية . ولكن ماذا بأيدينا نفعله حتى نغير من نواميس الكراهية والشر في هذا العالم !؟.

والحقيقة ، فان محنة (الفرهود) القاسية لم تترك أثرا سلبيا كبيرا في نفوس جمهور العراقيين ، يهودا ومسلمين ، كما كان يتوقع بل ويرجو البعص ، فقد لعق الجميع جراحه فخلدوا للسلم والطمأنينة . وهو ما يؤكد إفتعاليتها وصناعتها. فعادت الحياة الى طبيعتها وبدا التعاون والتآخي بين كافة الطوائف وكأن شيئا مؤلما لم يحدث . لكن طواحين المناورات والأحابيل لبعض الساسة والحركات السرية ومن كل الطوائف ظلت تدور بالخفاء لزرع الفتنة بين العراقيين ، وهو امر مفهوم ومتوقع في جميع الأزمنة .

وتعد الحقبة التي اعقبت تلك الحركة من اخصب الحقب السياسية في تأريخ العراق الحديث . فقد نشأت الأحزاب والجمعيات التي مثلت جميع المدارس الفكرية ، بدأ باقصى اليسار وانتهاء باقصى اليمين وما يقع بينها من اطياف حزبية . وكانت بحق تجربة رائدة بالرغم مما واجهته من صعاب قد ادت في النهاية الى وأدها . وما يهمنا هنا هو ان نبين دورالطائفة اليهودية في اغناء تلك التجربة الفريدة وانعكاسها الإيجابي المؤثرعلى سلوكها في المهجر، وهو احد محاور حديثنا . 

فقد ساهمت الطائفة اليهودية بشكل فاعل ومباشر في قيادة بعض تلك الأحزاب ، ياتي في مقدمتها (الحزب الشيوعي العراقي وواجهته (حزب التحرر الوطني) . وهما اللذان افرزا (عصبة مكافحة الصهيونية) تحت قيادة (ابراهيم ناجي شميل) والتي نشأت عليلة ثم انتهت لأسباب موضوعية لسنا بصدد مناقشتها . وكذلك (حزب الشعب) بزعامة (عزيز شريف) و(حزب الأتحاد الوطني) بزعامة (عبد الفتاح ابراهيم) ، وهما حزبان ماركسيان يمثلان اقصى يسارالوسط ، و(الحزب الوطني الديمقراطي) بزعامة (كامل الجادرجي) ، وهو حزب ديمقراطي/ تقدمي ، و(حزب الإستقلال) بزعامة (الشيخ محمد مهدي كبة) وهو تنظيم قومي عربي .

وقد التحق الكثير من المثقفين اليهود بالاحزاب والحركات الماركسية والتقدمية . فبرزت فيهم شخصيات شيوعية قيادية مثل (يهودا صديق) و(ساسون دلال) اللذين اعدما من قبل السلطة مع عدد من زملائهم المسلمين . وكانت هناك ايضا شخصيات سياسية ماركسية مثل (سليم البصون) الذي رأس تحريرصحف حزبية مثل (السياسة) و(الأساس) اللتين كانتا تعبران عن افكار حزب ( الإتحاد الوطني) ، والكاتب الماركسي (حسقيل قوجمان) الذي كتب ايضا في مجال فنون المقام والموسيقى والغناء العراقي .

وفي الإطار الأوسع نجد ان هناك فئات مارست الادب اكثر من السياسة يمكن وصفها بكونها نخبا تتحرك على مساحات اكثر رحبا من المفاهيم الوطنية والديمقراطية والإشتراكية . وقد ينطبق وصف ( التقدميين) او (المستقلين ) او حتى (اللبراليين ) ، على وفق مصطلحات هذه الأيام ، على معظمهم ، بضمنهم من سبق ذكرهم من المثقفين المتنورين . ولعل دورهم في صوغ الشخصية اليهودية / العراقية كان عميقا ومؤثرا الى جانب الدور الحاسم الذي لعبه قراء المقام والموسيقيون (ألآلتية) والمغنون طوال تأريخهم وحتى اليوم . وهي المسألة التى سنتناولها باختصارلاحقا بالنظر لأهميتها الخاصة في تشكيل الشخصية الأجتماعية لليهود العراقيين وانعكاساتها على العراقيين بعامة .

ولقدعمل الكتاب اليهود والمسلمون معا في جو من الود والتقدير والإحترام . فلم يشعر اي منهم بانه إنما يعبرعن مشاعر طائفته او همومها او حاجاتها وحسب حين يكتب مقالة اوقصة او ينظم شعرا . كما ان القراء بدورهم لم يشعروا باية فوارق او مشاعر قومية او طائفية حين يقرأون لكاتب يهودي او مسلم . فالقارئ العراقي يقرأ (لأنور شاؤول) مثلما يقرأء (لجعفر الخليلي) ويقرأ (لشموئيل موريه) مثلما يقرا (لعبد الملك نوري) . فهاجسهم المشترك هو عشق العراق . فالكل عراقيون وفوق الميول والإتجاهات . وهو الشعار الشعبي الذي شاع بين الناس وسرى مسرى الأمثال . ولعل الكتاب اليهود كانوا اكثر تمسكا به ليدفعوا عنهم شبهة التعصب لطائفتهم . وهو شعور طبيعي في مثل ظروفهم الدقيقة . ولم يقتصر ذلك الشعور النبيل على الفئات المتنورة وحسب بل وتجده ايضا بين الفئات الإجتماعية العريضة دون استثناء .

ويلمس المتتبع ان اليهود العراقيين قد نقلوا تلك المشاعر الوطنية / العراقية الى المهجر وعملوا على إذكائها وترسيخها بين ابنائهم وفي محيطهم الحيوي . فليس غريبا ، إذا ، ان يكون صوت اليهود العراقيين عاليا مجلجلا في وسائل الإعلام الإسرائيلية واالذي انتشر خارج فلسطين عن طريق المذياع بالرغم من قلة عددهم . وتراهم قد تمسكوا بإسلوب عيشهم وبعاداتهم وبلغتهم ولهجتهم العربية المتميزة حتى اليوم . وقد يكون ذلك السلوك مدعاة لموجة العداء إتجاههم من قبل اليهود (الأشكناز) والسلطة الإسرائيلية والأحزاب الدينية منذ الأيام الأولى لوصولهم ، وبخاصة تلك الموجهة نحو الكتاب الوطنيين والتقدميين مما حدا بالكثير منهم الى مغادرة اسرائيل او البقاء في عزلة عن المجتمع حتى بعد مرور فترة طويلة على وجودهم هناك. ولعل مأساة الكاتب الكبير(سمير نقاش) ومعاناته النفسية وتجواله واغترابه لخير مثال . ومن المفارقات العجيبة ان زميله الكاتب المعروف (انور شاؤول) الذي آثر البقاء في وطنه الاول العراق والذي شغف بحبه شغفا شديدا قد تعرض هو الآخر الى المضايقات من قبل السلطات العراقية واختتمت بأسقاط الجنسية عنه !. 

وكما المحنا سابقا فان النشاط ألأكثر انتشارا والأبعد اثرا في حياة ابناء الطائفتين المسلمة واليهودية في القرنين الماضيين كان في مجال الفنون الموسيقية ، وبخاصة المقام العراقي والغناء والرقص وفي اقامة الحفلات في المناسبات السعيدة. ويمكن القول بان هذا العامل كان من العوامل الحاسمة في تكوين الشخصية الإجتماعية / الشعبية لليهود العراقيين ، وللبغداديين بنحو خاص . فللغناء والطرب سحره على الناس بصرف النظر عن طوائفهم وعقائدهم كما هو معروف. ويمكن القول بان النشاط الفني هذا بالذات كان احدى وسائل الحماية والدفاع الطبيعية التي لجأ اليها المواطنون اليهود.

ولقد برز بين اليهود العراقيين عدد كبير من قراء المقام ، ومن الطبقة الأولى ، الى جانب زملائهم المسلمين ، حيث صنعوا معا إرثا غنائيا / مقاميا في غاية الإبداع والجمال ، منهم على سبيل المثال (روبين رجوان ) و(رحمين نفطار) و(يوسف حوريش) و(سلمان موشي) . وقد اخذ عن هذين الأخيرين كل من (سليم شبث) و(حسقيل قصاب) . وكان آخرهم (فلفل كرجي) الذي مايزل يحظى بشعبية بين العراقيين من اليهود والمسلمين .

كما تفرد الموسيقيون اليهود ( ألآلتية) في ادارة وقيادة الفرق الموسيقية المسماة بـ (الچالغي البغدادي) حتى رحيلهم عن العراق بعيد عام 48 . واشتهر فيهم فنانون كبار ابرزهم (شميل بن صالح) و(صالح بتو) و(حوكي بتو) و(حسقيل بن شمولي) و(ابراهيم بن عزرا) . وقد صاحب بعضهم الفنان الكبير (محمد الكبنجي) لحضور المؤتمر الموسيقي الاول الذي عقد في القاهرة عام 32 . وما يزال العراقيون حتى اليوم يستمعون بشغف الى موسيقى الفنان اليهودي المعروف (صالح الكويتي) ويرددون الأغاني الشعبية الخالدة التي قدمها الى فنانات شهيرات متل (زكية جورج) وسليمة (باشا) مراد وسواهما.

ولست بمغال لو قلت بان العوامل المارة الذكر مجتمعة ، بدأ بوجودهم الأول في بابل ، والانبياء والكهنة معهم ومرورا بالسياسة والأدب وانتهاء بالموسيقى والغناء والمقامات العراقية ، كل تلك العوامل الرئيسة قد فعلت فعلها السحري بين يهود العراق فدفعتهم نحو انشاء ما يمكن ان يطلق عليه بـ (غيتو) عراقي داخل إسرائيل حوى كل خصائص الحياة الإجتماعية العراقية ، والبغدادية على وجه الخصوص. وقد ظل ذلك (الغيتو) متصلا بالوطن الأم عقودا طويلة ما زالت بقاياه شاخصة حتى اليوم وذلك من خلال ممارسة العادات والتقاليد والموروثات الشعبية التى عشقوها بصدق وعمق وسهروا على حمايتها ورعايتها وتطويرها وكأنهم ما يزالون يعيشون في وطنهم الام .

أوليس من المدهش ان نرى بعد اكثر من نصف قرن على مغادرتهم العراق الجيل الجديد من الأبناء والأحفاد وهو يصدح بأنغام المقامات والبستات البغدادية الشجية ، اوحين تدخل منازلهم او مطاعمهم لتشم فوح الطبيخ البغدادي اللذيذ من بعيد ، او ان تدلف الى الاسواق او الحارات الشعبية لتستمع الى لهجتهم العربية المتميزة وكانك في (ابو سيفين) او (حنون الصغير)! . 

والواقع ، فانه لم يكن من اليسير على اليهود العراقيين ان ينعموا في مجتمعهم الجديد بنمط حياتهم العراقية الأصيلة . فقد جابهوا ، ومنذ البداية ، عمليات منهجية لغسل المخ او بالأصح اعادة تشكيل العقل وذلك بمحو الفكر القديم واستبداله بفكر مختلف كليا يقوم على خصائص الدولة الأوربية / العبرو / ييدش . فقد سعى المنظرون الأوربيون الى لصقه عنوة بالأصول الأوربية لا بالتأريخ الشرق اوسطي . ولم تكن مهمتهم يسيرة ابدا . فقد واجهوا اكتر من 33 قومية ولون وسحنة وثقافة ولغة ولهجة ، إذ ليس من السير خلطها ولتها وترقيقها إلا بمعجنة سحرية عملاقة لم يتم ابتكارها بعد . وقد وجد اليهود العراقيون انفسهم بين تلك الكتل المختلفة . وقد تمر دهور طويلة قبل ان ينصهروا اجتماعيا وثقافيا ونفسيا . 

وكانت تلك الصورة مغايرة لما تخيله اليهود الذين تشكل عقلهم في البيئة العراقية او حتى العربية ، وعبر آلآف السنين ، فاصبح ركنا رئيسا من البناء الحضاري السامي للمنطقة . فصورة الدولة العبرية كما أرادوها هي التي تقوم على الفكرة السامية / العبرية / العربية وبالوان الثقافة الشرق اوسطية السائدة . ولعل من غرائب ذلك (الفكر المختلف) وعجائبه انه سلخ اكبر الكتل التأريخية/السامية كالعرب وألآراميين والفنيقيين من حظيرة (الساميين) ، بحيث اصبح المصطلح مختصا بـ (اليهودية) وحسب . فلو قام (عربي عراقي ) او (عربي لبناني) مثلا بنقد سياسة دولة اسرائيل فهو معاد للسامية !. 

وكانت اول ضربة تلقاها (اليهود العراقيون) هي من خلال طعن (اللغة العربية) وآدابها وفنونها ، ذلك الوسط العقلي/ النفسي الفريد الذي ينقل الفكر والثقافة والتراث والعادات والمشاعر ويسعى لحفظها وتطويرها وترقيتها . ولقد اتخذت وسائل محاربة (العربية) اشكالا متعددة لامجال لعرضها هنا . لكن ابرزها كان في التضييق عليها في وسائل النشر المختلفة ضمن برنامج طويل النفس ، مستغلة ظاهرة الشيخوخة الطبيعية لأية لغة تتخلى عنها الأجيال الجديدة لمصلحة اللغة الرسمية السائدة ، وكما اكد ذلك العالم الجليل ابن خلدون . والواقع ، فان اللغة العربية تخوض اليوم صراعا مريرا في مواجهة العبرية . فالذين يعنون بالعربية ويوجهون نتاجهم للقراء اليهود بالدرجة الأولى هم من بقايا الرواد اليهود العرب ألأوائل والعراقيين على وجه الخصوص . و يأتي في مقدمتهم الكاتب الكبير الدكتور شمؤئيل (سامي) موريه الذي ما يزال يحمل راية اللغة العربية بكف والقلم بكف اخر. وكذلك اولئك الذين يكلفون بمهمات خاصة من قبل النظام الإسرائيلي وفي نطاق مشاريع الأعلام الموجه او ما يسمى بالحرب الإعلامية او النفسية ، والموجهة أصلا الى العرب في كل مكان من خلال الفضائيات والمواقع الأكترونية والصحافة .

ووفق التحليل السابق يمكن ان نفسر تخلي كتاب يهود عن الكتابة بالعربية . فالكتابة سلعة ينبغي ان تجد لها من يسوقها ومن يتوسط لتسويقها واخيرا من يشتريها. لكن المشكل الأكبر هو في تحول كتاب عرب نحو استخدام اللغة العبرية .بدلا من اللغة العربية . فان كان هؤلاء يكتبون في الأصل للإسرائيليين وفي نطاق مشاريع اعلامية عربية موجهة ومتقابلة فليس هناك من بأس ، بل على العكس ، فهو ضروري جدا. اما في غير ذلك فليس هناك ما يدعو الى تشجيع تلك الخطوة . وسوف يكون ضررها بليغا على المدى البعيد. وسوف يكون على حساب العربية .

ويزعم بعض الكتاب العرب ومنهم السيد (نبيل عودة) : (بان اللغة العبرية اسرع تطورا واكثر قدرة من اللغة العربية واكثر قدرة على تفهم اللغات الأخرى . فالترجمة من الإنكليزية الى العبرية اسهل بكثير من الترجمة الى العربية) . ثم يضيف ، وهنا بيت القصيد ، ( باني كمواطن في اسرائيل اجد سهولة اكبر في استعمال العبرية في كل مايتعلق بالعلوم والتكنولوجيا ) . لكن من اغرب استشهاداته قوله : ( وحين حاولت قراءة كتاب (الإستشراق) (لأدوارد سعيد ) بالعربية ترجمة (البروفسور كمال ابو ديب) عجزت عن فهم لغة المترجم . ولحسن حظي وجدت ترجمة عبرية رائعة للكتاب واضحة ودقيقة . نفس المشكلة واجهتني مع كتاب ـ الثقافة والإمبريالية ـ لنفس المترجم ) انتهى !.

ومشكلة بعض الكتاب العرب ، مع الأسف ، انهم كثيرا ما يخلطون ما بين عنصرين مختلفين كليا حين يتناولون مسألة اللغة العربية ، وهما عنصر اللغة كفكر وفلسفة واصول وبين عنصر اللغة كأداة عملية . اي انهم يخلطون ما بين نظرية الألوان في الرسم وما بين الأصباغ . فالقول بان اللغة العبرية (افضل) من العربية لا يخرج عن هذا السياق . والحقيقة التي يدركها علماء الألسنيات واللغة بان اللغات العربية والآرامية والعبرية لغات ساميات ولدت من رحم لغة (سامية ام) او اصل (بروتو سامية) . ومع مرور الزمن والمحن والتجارب اختلفت سبلها ومدارجها . لكن المعروف بين العلماء بان العربية ، كفكر وفلسفة واصول قد نمت وازدهرت وتقدمت على اللغات السامية الأخرى بأشواط فاصبحت اداة عملية رائعة وطيعة يوم كان هناك ما يفجر طاقاتها الكامنة ويعبر بها في الشعر والأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم . وقد لا اظن بان السيد الكاتب يجهل حقيقة قد لمسها فبله علماء ومستشرقون وهي هذا الإعجاز اللغوي البياني الذي نزل به القرآن ، وذلك الأسلوب العلمي المدهش الذي كتبت به (رسائل اخوان الصفا) و( رسائل جابر بن حيان ) وتلك اللغة الجميلة السلسة التي كتبت بها قصص (الف ليلة وليلة) وكتب (كليلة ودمنة) و (البيان والتبيين للجاحظ) و(الأيام لطه حسين) ومعجمات (مشرفة) و(حتي ) و(البستاني) ، الى آخر حبيات تلك المسبحة الجميلة المتناسقة .

فأنا في الواقع لا ارغب ان اقلل من شأن (العبرية) او غيرها من لغات سامية قديمة ، فهي جميعا ادوات تعبرية مفيدة قد انبثقت عن فكر سامي قديم واصيل . لكن علينا اولا ان نحدد عناصر ذلك الفكر وادواته في اللغتين العبرية والعربية ، و سواء أكان ذلك في النحو ام الصرف ام الإستقاق ام المجاز ام البيان ، على ان لا ننسى حيوية كل أبجدية وعدد مداخل الفاظها . و بودي ان احيل الكاتب ، ولضيق المجال ، الى المراجع اللغوية ففيها القول الفصل . 

اما ما ذكره من ان اللغة العبرية اكثر حيوية من العربية ، فهنا ايضا نجد انفسنا امام خلط بين المفاهيم الأساسية وبين الأدوات الفنية وبين السياسة اليومية الدارجة . فقوله ذاك لا يخرج عن حدود هذا المثلث المغلق. فهو يندرج ضمن خانة الأعلام الموجه الذي اشرت اليه . ومن اهدافه اعلاء راية وتنكيس أخرى .
والحقيقة ، فان ما يحاول تناسيه الكثير من كتابنا العرب في اسرائيل هي الحقيقة المرة القائلة بان البيئة الحيوية التي وجدت العربية التأريخية نفسها فيها بيئة جامدة وعليلة . وهي عين البيئة التي تتحكم بمصير هذه الأمة المنكوبة بنكبة لغتها . فقوة ( العبرية) ومرونتها إذا مستقاة من قوة (الدولة العبرية) وترسانة سلاحها وارتفاع نبرة وسائل اعلامها وأعلام اعظم دول العالم لصالحها لا من إمكانات لغتها التأريخية المعروفة . 

ومن الحقائق التي ينبغي الإقرار بها ان علماء اللغة الأسرائيليين يحاولون بذل جهود مضنية لتطوير اللغة (العبرية) لتغطي مساحات واسعة من العلوم والمعارف والتكنولوجيا الحديثة اعتمادا على اصول لاتينية / إغريقية وعلى ذخيرتيهما العظيمتين من المصطلحات والرموز العلمية ، وهو ما قامت وتقوم به (العربية) . لكن ذلك النشاط الإسرئيلي المتواصل لن يطمس الحقيقة القائلة بان( اللغة العربية التأريخية) ستظل اللغة الند لها وللغات أخرى عديدة . اقول هذا عن خبرة عملية طويلة في مجال لغة العلوم البحتة ومصطلحاتها ، واعتمادا على قدراتها الذاتية لا على (العربية السياسية) . 

تعقيب اخير بودي ان يكون مسك الختام . قال الكاتب (عودة) : بأنه ايسر عليه ان يقرأ كتابا مترجما الى العبرية من ان يقرأه بالعربية ومستشهدا بقصة كتاب ( الإستشراق) لأدوارد سعيد المار الذكر وملقيا باللائمة على العربية التي لم تتطور كأختها الصغرى خلال المائة سنة الأخيرة بحسب فوله وربما لام المترجم ( البروفسور) ايضا . ويؤسفني القول بان هذا الإقرار يتسم بالسذاجة والذاتية ولا تجمعه بمفهوم اللغة آصرة ما . وبمقدوري ان آتي باكثر من كاتب ليقول مثل القول الجميل في اللغة العربية .

فنحن ، ولكي نفهم المقروء ونستوعبه جيدا ، ينبغي ان تتوافر ثلاثة عناصر متلازمة : هي اللغة والكاتب والقارئ . ولكل منها مواصفاته العالية. لكن السيد (عودة) اختزل هذه الصورة الثلاثية الأبعاد الى مسطح . ففضلا عن توافر اللغة البليغة ، ينبغي ان يكون الكاتب (مؤلفا او مترجما) متمكنا من التعبير بهذه اللغة والإفصاح بها . ولا اظن ان المترجم وهو استاذ اكاديمي تنقصه تلك المواصفات . اما القارئ فعليه ان يجاري الكاتب في مواصفاته تلك لكي يستوعب ما يقرأ . فبدون تلك العناصر إذا لايمكن للمعرفة ، ايا كانت طبيعتها ، ان تصل الى مبتغاها . فالقاء اللوم على اللغة (العربية) جزافا ما هو ألاغطاء للتستر على ضعفنا وخيبتنا وهزيمتنا. 

يقول المثل الدارج : ( ان الفريق المعد إعدادا جيدا لابد وان يكسب اللعبة حتى بكرة (شراب) !.) 

الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

انطي للعقل حكمي
مقاطع من قصيدة من بحر الطويل نشرت عام 1961 للشاعر مجيد لطيف القيسي :
انـطـي للعـقـل حكمي ...... واحـكم للعـقل آنـه
العقل مقياس للتفكير ...... العقل للبشر سلطانه
العقل للمتزن وضعه .......... يدليه اعله درب الخير
ويتصرف باعمــاله .............. يخليـه ابحسن تدبيـر
وبيه ايحصل من الناس ...... عزة شخصه والتقـديـر
نظرته صائبه تصبح ............ اوما يفشـل بسـعوانـه
العقل جوهـرة اموصفينه ....... العـقل ميـزان للانسـان
العقل زينه ومن عدها ......ابصفه الطيبه الرجل ينزان
العقل موهبـه ومن سرها...... الكامــل يكسـب العرفان
العقل شارع هـدى والبيه ......... يســلك ، ثبـت ايمانه
العقل بي ميــز الانسان ...... نفــعه من الـذي يضــره
وبي اصبح يــره ليله .......... الدامس من ضوه فجره
والحـق بي من الباطل ....... أعلانه اتضــح من سـره
وبـي يتـمـيز الصـالح ........... مـن الطـالح و ادرانـه
البشر بالعقل يتمجد ....... ويتقدر ويتـزعم
البشر بالعـقل يترجح ......بآرائه و يتعــظم
البشـر بالعقل يتوصل .....لأهـدافه ويتـقدم
ولغايتـه ايحـقـقـها ......ابـعقله ويـرتفع شانه
العقل كنز البشر هوه ......العقل مصدر الاشعاعات
العقل طاقـة ومن عدها ......البشـر يـاخذ التعليــمات
العقل حكمة ابحكمتها ......البشر شرع الاصلاحات
العقل جلت عظمته الله ......الذي صـــوره وسبحانه

الخميس، 13 أكتوبر 2016


ايام عاشوراء :
شارع الكفاح من الاماكن الشعبية جدا
وهو يتوسط محلات بغداد القديمة
جيلنا وعى عليه ووجده موجودا على ما هو عليه في الستينات
لم يكن شارعا تجاريا كما هو عليه الان
وانما تتوزع عليه بعض الدكاكين القليلة التي توفر لسكني المحلات مستلزماتهم واحتياجاتهم
محل او اثنين لعمل تانكيات الماء
محل او اثنين للمواد الانشائية
محل او اثنين للنجارة
وتجد فيه محل لبيع المواد الفخارية ( الحبوب والحبانات والتنك والسنادين ) وكان يسمى صاحب هذه المهنة ( كواز ) من الكوز اي التنكة او مشربة الماء وكان صاحب المحل والد زميل لي في المدرسة كثيرا ما كنت ابين له استغرابي من التسمية !!!
وكان هناك محلين لبيع الحلويات ( البقلاوة والزلابية والبرمة والشعرية ) واحد في منطقة الفضل والاخر في منطقة باب الشيخ وهو الاكثر شهرة الا وهو جواد الشكرجي وعندما نريد ان نشتري الحلويات وخصوصا في ايام رمضان كان الناس يتعنون الى هذه المحلات .
وكان هناك على امتداد الشارع ايضا محلات الحلاقة والمضمدين الصحيين ، اما باقي الاعمال والمهن فهي في الاسواق والشوارع التي تتفرع من ها الشارع فهناك سوق الفضل وهناك سوق قنبرعلي وسوق حنون وعلاوي الشورجة للفواكه وسوق الصدرية ،وكذلك المقاهي كانت في داخل المحلات حيث ان لكل محلة مقهاها وسوقها ومدرستها وجامعها، اما باقي الشارع فهو بيوت وعمارات سكنية انشئت حديثا بعد شق الشارع .
كان شارعا سكنيا بحتا بخلاف شارع الرشيد التجاري و شارع الشيخ عمر الصناعي وشارع الجمهورية الذي لم يتكامل بعد في اجزاء كبيرة منه.
وعليه فان كثافته السكانيه والسكنية اهلته لانتشار مواكب العزاء الحسينية اكثر من غيره من شوارع بغداد ، حيث كانت تمتد المواكب من باب المعظم الى باب الشرقي :
موكب عزاء الفضل
موكب عزاء قنبرعلي
موكب عزاء سوق حنون
موكب عزاء ابو سيفين
موكب عزاء ابو دودو
موكب عزاء جامع المصلوب
موكب عزاء الصدرية
موكب عزاء عكد الكرد
موكب عزاء باب الشيخ
وهكذا ...........
كل هذه المواكب تنصب في مداخل المحلات الشعبية او في مقهى من مقاهي المحلة او في حسينية قائمة ولا يوجد موكب يقطع شارع او ينصب جادر في وسط طريق !!!
ويشارك في هذه المواكب الجميع سنة وشيعة وتمويلها من الاهالي انفسهم ، مثلا كانت والدتي قد خصصت مبلغا معينا تذهب به الى موكب عزاء ابو سيفين نذرا منها وتعهدا للحسين ( عليه السلام ) سنويا لم تقطعه ، وكثير من الناس اعتادت ذلك سواء المتمكن ماديا او المتوسط الحال او الفقير كلٌ حسب تمكنه ، اذ كانت مسألة ايمان بقضية الحسين و حفظ ذكرها على مر الزمان ،
و كانت هناك مشاركات من نوع اخر مثلا ان يوضع خزان ماء بارد في الطرق ايام الحر او حب ماء ، وفي اليوم العاشر يتحول الماء الى شربت في بعض الاحيان ، وكثير من العوائل البغدادية على اختلاف مذاهبها تقوم في عاشوراء بعمل ما يسمى بال(قرايات) في بيوتها وهي مجالس عزاء حسينية خاصة بالنساء حيث يتم قراءة المنادب الحسينية وترديد الادعية فيها و ذكر افضال ال البيت ونكباتهم و البكاء عليهم وقد يصل الى اللطم وضرب الوجوه والصدور ألماً وحسرة .
و كان الشاعر مجيد القيسي يشارك في عدد من المواكب الحسينية وخصوصا موكب قنبرعلي بكتابة المراثي والردّات الحسينية التي تقرأ ايام عاشوراء .
وفي صباح اليوم العاشر كان شارع الكفاح يمتليء من اوله حتى اخره بمسيرات المواكب الحسينية وتخرج مجاميع الناس التي لم تشارك بفعالية في المواكب لتقف على جانبي الشارع يبكون حسينا ويلعنون امة قتلته ، اما المشاركة فهي تكون من غالبية شباب محلاتنا الشعبية وتشتمل المشاركة على نرديد الردات واللطم وضرب الزناجيل و عمل التشابيه وهي تمثيل شخصيات الذكرى سواء كانت شخصيات ال البيت التي تستدر نوح وبكاء الناس او شخصيات القتلة اللذين شاركوا في قتل الحسين امثال ( الشمر) وهذه الشخصية التي كان ينالها الكثير من الاستياء من قبل الحاضرين والمتفرجين من الناس وقد يصل التعبير عن استيائهم منها الى ضربها بالحجارة والنعل و قشور الركي على اقل تقدير ......
مشاركة الاعضاء :
_____________
موفق القيسي :أحسنت بالمناسبة كانت إضافة إلى المواكب يخرج معهم الدراويش حاملين الدفوف ويبداون بالمديح وضرب الحراب والسيوف وكان الوحيد الذي يشبه نفسه بالشمر علي ابن نجيبه الملقب علي بهرا الله يرحمة وكان يتحمل أنواع الضرب بقشور الرقي والطماطا والحجارة وعندما تنتهي المراسيم يبدأ بالغلط والشتم على كل من رمى عليه.
منذر نعمان القيسي : كان المطبرين يتريكون بابوشبل في بيت رداسة ام سرية مرة عباس ابن نوري (الله يرحمهم ) وبعدها يروحون لموكب ابو سيفين لغرض التشابيه فيكون فلاح السمين هوالاسد مال الامام علي( رض) واني احد اولاد مسلم ، والاحداث تدور بالعوينة ( ملعب العوينة) وصحيح كلام موفق كان الشيوخ والدراويش وراء الموكب والدفوف والحيات وكانت احدى رداتهم ( صلو على بدر الدجا طه المعظم) ومدد ياشيخ عبد القادر مدد ويضربون الحربات
ما اجمل تلك الايام وين سنة وين شيعة اقسم بالله منعرف هذه الامور.

الخميس، 22 سبتمبر 2016

باب بيتنا الخشبي كان بدرفـتين ( مصراعـين ) ، احدهما تثبت من الخلف بما يسمى جنكال ( شنكال ) والجنكال قطعة من الحديد تثبت في الحائط بتمفصل من جهة وتشنكل من الجهة الاخرى بالباب بشكل يمنع فتحه ، والدرفة الثانية المتحركة تبقى مفتوحة ولا تغلق الا ليلا او عند خروج جميع اهل الدار، وهناك في هذه الدرفة كيلون حديدي بحجم كبير ( 30×25 ) سنتمتر و مفتاحه حديديا بطول 30 سنتمتر كنا نحتار به عند خروجنا من الدار لمناسبة ما ، وكان في واجهة الباب في الدرفة الثابته مطرقة برونزية تستخدم لطرق الباب لتنبيه اهل الدار من قبل الزوار، وباب الدار يؤدي الى مجاز يطول ويقصر وقد ينحرف حتى يؤدي الى باحة الدار او الحوش ، وتوضع بعد الباب مباشرة ستارة قماشية ( بردة ) تحجب النظر الى داخل الدار من خارجه .
الصورة الاولى لباب دار خشبيىة بدرفتين 
الصورة الثانية لكيلون شبيه بكيلون باب دارنا ويبدو ايضا في الصورة ( الجنكال )
احمد القيسي

السبت، 17 سبتمبر 2016


معركة محلة البوشبل ومحلة السوامره سنة 1915م
........ان سبب هذه المعركه ان الشيخ صلال السامرائي كان متعهد الجسر العتيق الشهداء حاليا لمده طويله ، وبعد انتهاء العقد قام علوك بن نجم بيك وزايد في قيمة التعهد ورسى عليه المزاد... مما أثارغضب الشيخ صلال ، ومرت الايام و ذات يوم كان علوك (علي) جالسا في مقهى الخفافين قرب جامع الخفافين وهو مجاور للمدرسه المستنصريه العباسيه وكان صلال جالس مع عماله في نفس المقهى بدون عمل بسبب ظروف الحرب العالميه الاولى ، حيث كلف عماله الاعتداء على علوك بالمقهى تحت أي حجه ، احس علوك بغايتهم تلك وهو وحيدا في المقهى ......شاءت الصدفه ان تمر امرأة من البوشبل مع ولدها فأشارعلوك لها حيث أرسلت ولدها قائلة له : ( شوف خالك علوك شبيه و شاوره ) بالطبع هوليس خاله الحقيقي لكنه مجرد احترام ، قال علوك للولد : (خلي امك تروح لابوشبل وتكول علوك بورطه بالمقهى ) ... يقال ما ان وصل الخبرالى البو شبل حتى خرج الكبار والصغار رجال و نساء وكلهم مسلحين ووقفوا في مكان مستور وارسلوا الولد الى علوك ليبلغ علوك ان يخرج من المقهى حتى يعرفوا من العدو ومن الصديق ....وفعلا خرج علوك من المقهى وتبعه جماعة صلال وبدأت المعركه واستمرت على مدار اسبوع ، وقطع جسر بغداد واستخدمت التواثي والسيوف والقامات والرصاص وقطعت الحركه في بغداد ، وفيها قام علوك بقتل ضابط تركي وهرب الى مناطق الكرويه خارج بغداد ، وتدخلوا بيت عبد الغني الجميل اللذين كانوا رؤساء منطقة قنبرعلي عند الوالي ومحافظ بغداد وقائد الجيش السادس العثماني المشير خليل باشا لانهاء القتال والعفو عن المشتركين حيث كانت المعارك دائرة في سلمان باك مع الانكليز بقيادة الجنرال طاوزند ، وتم اصدار العفو فعلا باستثناء علوك النجم ...... ملاحظه انه تقرر في محلة البوشبل ان كل شخص لم يخرج ويشارك في (عركة علوك ) يقاطع ولا يتم حضور افراحه واحزانه ولا يتزاوج معه وهؤلاء كانوا قله....
واحب ان اوضح لابن عمنا الغالي د .مجيد القيسي عن سبب توقيف والده المرحوم محمد علي الفدعم انه في هذه المعركه قام بضرب احد السامرائيين بالمكوار وأفقده وعيه ، وأطلق سراحه بعد العفو الذي صدر والرجل السامرائي كذلك كان قد تحسن من الاصابه ، وهناك حوادث كثيرة اهمها مقتل الضابط التركي ....
والمرحوم الحاج محمد ( بن علي بن فدعم بن علي بن سليمان بيك بن الامير عبدالله بن الامير بايزيد بن الامبر ناصر بن الامير حسين بن الامير حازم الثاني امير الرها / اورفه) هو والد المرحوم حميد والدكتور مجيد والقارئ المشهور الحاج علاء الدين وقدوري وجاسم الاعمى .....
باسم عبد الغفور القيسي
الصورة للجسر القديم في بغداد 1915


إمجيدي بن سليمان بيك......
__________________
واسمه مجيد بن سليمان بيك بن الامير عبد الله بن الامير بايزيد امير الكروية القيسية..... واخوته هم اسماعيل (ابو خليل) وعلي( ابو حسين وسليمان) و فدعم (ابو علي وهو جد ابناء البوشبل الدكتور مجيد والحاج علاء الدين ) وعيفان وكركوش وحنفوش ،.
وامجيدي لم يتزوج ولم يعقب حيث أعدمه الاتراك بسبب قتله اثنين من الجندرمه على اثر تحرشهم بأمرأة عراقية في السوق وكان هو راجعا من عمله وصرخت (الحك ابو الغيره اني اختك ) وكان يحمل خنجراً فصال عليهما وقتلهما ، وكان يوم اعدامه علني أمام الناس في واجهة سجن القلعه (وزارة الدفاع في باب المعظم حاليا) ، وخرج اهالي بغداد لتوديعه بصواني الشموع والهلاهل ولبسوا أجمل الملابس كانهم في زفه عرس وقام بعض مشايخ الكرويه والعبيد برمي الاطلاقات من بنادقهم ( التفك ) ........
باسم عبد الغفور القيسي

حكايه بغداديه
يحيى بن عرب والطوب البغدادي....
_______________________
في ولاية بغداد ايام الوالي احمد باشا بن الوالي حسن باشا في الربع الاول من القرن الثامن عشر الميلادي1700 قام نادر شاه بلاد فارس بحصار بغداد ، ومن شدة الحصار أكل الناس حتى الجيف والكلاب والقطط واصبحت من المشاهد العاديه شباب يركضون وراء قطه اوكلب ، كما قال الشيخ الله السويدي مفتي الديار العراقيه ذلك الوقت كشاهد عيان ، و كان مجموع الاطواب لدى الوالي 12 فقط مقابل 80 عند الفرس ، على امل وصول المدد من السلطان بقيادة عثمان باشا طوبال أي الاعرج ، حاول الفرس اقتحام بغداد لكن دون جدوى وعند وصول عثمان باشا قتل في المعركه خارج السور ولكن اهل بغداد صمدوا مع الجيش على السور وكاد العتاد ينفذ ...
اجتمع حدادي بغداد الرصافه يقودهم يحيى بن عرب الحداد وقام بصنع طوب (مدفع ) وضرب به الاعداء من احد ابراج السور وحرق خيامهم مما قام الفرس بسحب قواتهم القريبه من السور خوفا من الخسائر ، بينما قام حدادي الكرخ بابتكار( الزنبور ) وهو انبوب طويل يوضع داخله البارود وسهم وعند الاشتعال ينطلق السهم الى مدى بعيد وقام اهل الكرخ بتهريب الزنابير ليلا عبر النهر الى الرصافة بواسطة (الكفه) ومن كثرة خسائر الفرس اضطروا الى عقد الصلح ورغم شجاعة ابن عرب وعقليته وما قدمه قال له الوالي كلمه واحده فقط ( عافرم ) أي أحسنت ......
باسم عبد الغفور القيسي

الجمعة، 16 سبتمبر 2016

تلاوة بصوت القارئ علاء الدين القيسي ما تيسر من سورة الكهف

دعاء جميل للحاج علاء الدين القيسي

الحاج علاء الدين القيسي من اعمدة قراء القرآن في العالم الاسلامي عامة والعربي خاصة في القرن الخامس عشر الهجري فهو من اعلام ( القراءه البغداديه ) ، وأشاد به الشيخ جلال الحنفي البغدادي شخصيا ( أمامي) في عام 1997، وسمعت قاريء المقام العراقي الكبيرمحمد القبانجي في لقاء تلفزيوني عندما قال عن الحاج علاء الدين القيسي ( انه صوت مميز وافضل القراء ) ، وتمكن الحاج علاء الدين ان يربط بين جيلين من القراء جيل قديم من المعممين والملالي والأضراء من الحفاظ وجيل جديد من الافنديه وابناء المدارس وإن اخذ عنهم الاصول ، بارك الله بأبن عمنا وأبن محلة البوشبل الاصيل .
باسم عبد الغفور القيسي

الخميس، 1 سبتمبر 2016


الشيخ كمر...
باسم عبد الغفور القيسي
قال احمد العربو نقلا عن عمي كرومي ( عبد الكريم بن حسين جخنه الكروي القيسي ) :
 كنا مجموعه من فتيان محلة البو شبل نذهب في الصيف للسباحه في شريعة المجيديه (مدينة الطب حاليا) ، نذهب ظهرا ونعود عصرا قبل مغيب الشمس ، و ذات مرة ونحن راجعون كنا مجمموعه كبيره من فتيان البوشبل و معهم جدي حسين جخنه و قبل المغرب وصلوا بيت الشيخ عبد الرحيم الشيخ كمر ، وقال احمد كنا في مزاح وهرج وبعضنا يضرب الاخر بقشورالركي وفجأة خرج علينا رجل من دارالشيخ عبد الرحيم في ( منطقة الفضل/الدركزليه ) يقدرعمره بالاربعين يلبس دشداشه بيضاء وعرقجين وقال بصوت خشن رافعا سبابته ( اس..اس .. الشيخ عنده حاله )  يعني ( مدّروش ) ،
وقال احمد العربو : صعدنا على طوفة دارالشيخ وشاهدنا الشيخ في وضع عجيب !!! كان جالسا على الارض وبين رجليه رحى تدور لوحدها وهو منكس راسه ينفخ ويضرب كفه على فخذه ، العجيب الرحى تدور لوحدها وتطحن والظاهر انه كان يطحن وجائته الحاله ،  يقول احمد العربو ارتعبنا وهربنا جميعا راكضين لابوشبل من رهبة المنظر ؟؟؟ رحم الله جميع الاموات الذين نقلوا لنا هذا الارث من الحكايات ....
الشيخ كمر.....
 هو قمر الدين بن شهاب الدين البغدادي الرفاعي الشافعي ولد في بغداد الفضل/ الدركزليه (حماة السور) وهم من بني حرب الحروب هاجروا من شمال نجد الى الشام ثم الى العراق....يقول السلف الصالح....توفي والده وهو فتى يافع و كان والده شيخ الطريقة الرفاعيه في بغداد ... ذهب الفتى ( كمر) الى الاستانه ( اسطنبول ) لمقابلة السلطان العثماني عبد العزيز والشيخ ابو الهدى الصيادي رئيس الطريقة الرفاعيه في العالم الاسلامي ويجلس على السجاده الرفاعيه ويقال انها سجاده بيضاء ، وكان ابو الهدى الصيادي هو نديم وظل السلطان وذو حظوة كبيرة لديه........
ذهب الفتى كمر مع قافله من بغداد الى حلب ثم الى الاناضول ثم اسطنبول لغرض الحصول على ختم السلطان والصيادي ليكون محل والده على مشيخة الطريقة .... لكنه عندما قابل الاثنين رفضا الختم له لانه صغير السن اولا وغير معروف لديهم ثانيا ، وقالا له انه في يوم الخميس هناك حلقة ذكر في قصرالسلطان اٍن حضرها فذلك شرف له بهذا العمر؟؟؟
شاءت الصدف ان يسافر من حلب شيخ الطريقة الرفاعية فيها (عبد الرحمن السبسبي) وكان زهدا اشعث ملابسه مرقعه يحمل رمحا مسنن طويلا وصل اسطنبول وذهب مباشرة الى دارالصيادي فلم يجده وقال لخادمه اذا جاء سيدك سلم له الرمح ، وجاء الصيادي ووجد الرمح مع الخادم فعرفه وارسل عبيده للبحث عن السبسبي في الاسواق وكان السبسبي صاحب كرامات ويخيف ، وعندما وجدوه حضرالى بيت الصيادي ومكث عنده وبلغه موعد اقامة الذكر المتفق عليه مع السلطان ....
كان لدى السبسبي هواجس انه سوف يلاقي شخصا مهما غيرالسلطان في الذكر ، وجاء وقت الذكر وبدأت الدفوف والضرب عليها باسم الله ورسوله وطلب المدد منهم ، قال السبسبي لم ارى ما كان يراودني من هاجس و قال الصيادي كلهم مدعون للذكر الا فتى من بغداد هو ضيف السلطان وابن الشيخ شهاب الدين وعرف الشيخ السبسبي قصته حيث قال للسلطان ( يا سلطان المسلمين ان الصيادي قسى على الفتى البغدادي والحكم بيننا الامتحان ........
همس الصيادي في اذن السلطان بكلام مكرا على الفتى كمر .... قال السلطان امام الحضور ( انهض ياكمر هولاء عشرة فرسان ضباط من بني عثمان متشابهين في الملابس والشكل ثلاثه منهم اولادي..... اخرجهم...)  وقف الفتى كمر وبيده الدف وحيدا وبدأ الضرب على الدف بنغمة الحجاز السريعه البغداديه وتدعى الحربيه وينشد ( صلوا على المختار طه النبي العدناني ) وانتخى بالرسول والمدد من (ابو العرجه) كما عند الشيوخ البغاده فقط ، وجاء المدد في امتحانه واخرج اولاد السلطان من بين الفرسان العشرة  وقام السبسبي واوقف الفتى بطريقته  
ونهض السلطان وسلم على الفتى وقال نعم انهم اولادي وقال الصيادي كيف عرفتهم.... قال الشيخ كمر والله اني لم اعرفهم ولكني نخوت الرسول و(ابو العرجه) وبكيت وشاهدت رسول الله خلفهم يؤشرعليهم واخرجتهم ، وهذه شارة ( كرامة ) للشيخ كمر بكشف المستور المؤذي ورفع السحر وختم له السلطان والصيادي...
ضجر الشيخ السبسبي من امتحان الصيادي القاسي وبدا الفصل الثالث من الذكر حيث قام السبسبي وطعن نفسه برمحه وجاء للصيادي رئيس الرفاعيه وطلب منه اخراج الرمح لكن الصيادي لم يتمكن ولعدة مرات لخروج احشاء السبسبي مع الرمح ، جلس الصيادي على الارض ونزع عمامته يبكي ويقول ( وا ....جداه وا .....رسول الله وا..... ذلاه ) ثم تبسم الشيخ السبسبي واخرج الرمح بيده ،
 ورجع الفتى الشيخ كمر الى بغداد ومعه السند والختم والشاره .
ملاحظة :
ابو العرجة هو السيد احمد الرفاعي بن السيد سلطان علي 

بغداديات .......
الزعرتي.......ختان الاولاد.....
_________________
ان اصل الكلمه جاءت من اسم قريه بالاناضول اسمها زعرتاه ورجالها يمارسون مهنة ختان الاولاد بمهاره عاليه ، وعندما ياتي موسم الربيع يهاجرون للولايات الاسلاميه خاصة الموصل وبغداد وحلب والشام يزاولون الختان ، و رجال قرية زعرته لهم زيهم الخاص بهم وهي طربوش احمر ويلك وقميص وشـروال ( سوال جبلي ) اصفر مخطط بالاحمر مع كشيده صفراء تلف على الطربوش وخرج للادوات ، اما اّلة القطع فهي خنجر صغيراوحربه مع زيت و قطن وقماش لأشعال نارللتعقيم ، وكانت من عادات بغداد جمع صبيه المحله وأجراء ختان جماعي للاجر والثواب او منفرد احيانا و يكون اغلب الاحيان يوم الخميس والجمعه يوم الخميس اجراء مراسيم الحنه والحلاقه مع الطبل وتطورت الى المزيقة (الموسيقى ) والملبس والواهليه والهلاهل وصباح يوم الجمعه يجري الختان ، والظريف ان الاولاد قد تكون اعمارههم كبيره وتكون هناك عزيمه غداء للمدعوين وسط بكاء الاولاد ويقوم الزعرتي بمراجعة كل يوم ويصب الزيت على الجرح وارخاء الضماد واذا بال الطفل يكون قد طاب الجرح حيث يرفع الضماد ، ويتم الباس الاولاد دشاديش بالوان خاصة زاهية او بيضاء وتقدم لهم الهدايا والعطايا من الاهل والاقارب لارضائهم واسكات اوجاعهم التي يتحملوها على مضض .......
باسم عبد الغفور القيسي
الصور :
ختان جماعي في تركيا لاحظ الاهتمام به والملابس التي يلبسها الاولاد ويتم عمل زفة لهم مع الموسيقى والرقص في الشوارع


من اعلام محلة البوشبل 
احمد العربو
هو احمد بن الامير يوسف قائد التيمار بن الامير منس بن الامير محمد بن الامير عبد الله بن الاميربايزيد بن الامير ناصر بن الامير حسين بن الامير حازم الثاني من الكرويه البيكات وهو اخو محمد بيك ابو هيله والريس الضابط احمد،
اسره الروس في القفقاس في الحرب العالميه الاولى وارسلوه الى ميناء بيره في اليونان ثم اخذوه الانكليز الى الهند ومن بومباي الى ميناء جده في الحجاز ثم الى بغداد بامر الامير عبد الله بن الشريف حسين بن علي بقرار خاص بالاسرى العراقيين استمرت الرحله 7 سنوات مع الحرب ، ولقب عربو تعني العربي ( بالتركي ) لانه عمل مع الاتراك، وكان وحيدا لامه زينب (زوانه ) اخت القول اغاسي القائد اسماعيل محمد الشاهر بيك وعمة المقدم الركن محمد بدري امر الكليه العسكريه في 1939م ، اما زوجة احمد العربو فهي (عواشه ) بنت عزيز اغا اخت احمد جربون ابو شهاب الطويل وعلوان زوج (عنه ) ام ياسين وعزيز ، ولاحمد العربو ولدان ( شهاب وطه ) وشهاب [ ابو محمد (له ولد مثنى ) و كاظم ابوجويده ( وله من الاولاد شهاب واسامه ومضر) ] ، و طه [ابو الشهيد الغالي الطيب القلب الرائد فائق والشهيد عماد ( ابوفؤاد و الشهيد احمد ) واحمد (ابو علي ) والعقيد العزيز الحنين سعد (ابو مصطفى وابراهيم و ابن ثالث) واعتذر من ابن عمي ] ،
وهم ابناء عم جدتي هيله بنت البيج (ام جبار والرئيس الضابط احمد ) ، وبنات احمد العربو (صبيحه /ام المرحوم جاسم ابو محمد وخليل ) والاخرى ( صبريه/ ببيه ام احمد و ثائر وعمر ونصرة ) وهي زوجة شهاب الطويل بن احمد جربون ولهم اخوه من ام اخرى ( بدرية ) هم الشيخ محي (والد الشيخ بكر) و طارق وصلاح ) ....اسف للاطاله رحم الله الاموات هذا البيت الكريم عمود شامخ للكرويه البيكات في العراق ومحلة البو شبل
باسم عبد الغفور القيسي
ملاحظة :
التيمار هم فرسان العشائر لدعم النظام في الدولة العثمانية ويصرف على تجهيزهم وتمويلهم من قبل الدولة