عصافير النبكة ( 2 )
احمد القيسي
في اواسط
الاربعينات وبعد ان شقت الدولة العراقية الحديثة شارع الكفاح الذي ابتلع اجزاء
كبيرة من طرف البوشبل وفصله عن امه محلة قنبرعلي وامتداداتها في سوق حنون الكبير
والصغير وعكد الدجاج ، جاء فصل اخر ليستقطع اجزاء اخرى من محلتنا وليتم القضاء على
جزء كبير من الدهدوانة وانسيابيتها باتجاه مركز قنبرعلي ، والفصل الجديد كان شق
شارع عرضي يربط شارعي الكفاح والشيخ عمر ، لينساب بعد اختراقه محلتنا الى فضاء خالي
في منخفض النزيزة ومنه الى شارع الشيخ عمر الذي تنتهي عنده حافات محلات بغداد
القديمة حيث كان يتكون عنده مجرى لتسريب مياه الصرف الصحي لهذه المحلات ابتداءا من
الجوبة الى عزة الطوالات وقرة شعبان الى الخالدية والطاطران حتى الميزرة (المجزرة
) وهكذا باتجاه جنوب بغداد بموازات سورها الشرقي القديم وكان يطلق على مجرى مياه
الفضلات هذا اسم ( شطيط )، والذي تم ردمه عند انشاء شارع الشيخ عمر السهروردي وكان
ما بعده خلاء واسع حتى السور والمقبرة التي عنده وكان اهلنا يطلقون على هذا الخلاء
( الجول ) وهي كلمة تركية تعني ذلك .
لكن شق شارع
السباع لم يعد بالسوء على محلتنا فقط وانما كان فيه خيرا ايضا ( وعسى ان تكرهوا
شيئا وهو خير لكم ) اذ ان حكومة العهد الملكي حكومة بناء وتمتلك مشروع لبناء
الدولة العراقية الجديدة على احدث نظم ذلك العصر ، فكان ان استدعت فنانا ايطاليا
ليقوم بتصميم حدائق غناء في مكان النزيزة المجاورة لمحلتنا ويتوسطها نصب سباع
مستوحى من قصر الحمراء في غرناطة الاندلس طبع هذا النصب اسمه على الشارع الذي شق
حديثا فصار شارع السباع وكانت حدائق السباع الجميلة في قلب بغداد القديم المتهالك
تنعشه وتبعث فيه الحياة .
ارتبطت حدائق
السباع بمحلتنا ارتباطا روحيا فكانت تعويضا لجزءها الذي فقدته بعملية شق شارعي
الكفاح والسباع ، وما ان تذكر اسم محلتنا حتى يذكر شارع السباع وحدائقه الغناء ،
وصار اهل المحلة يترددون على هذه الحدائق صغارهم وكبارهم نسائهم ورجالهم .
5- لحدئق السباع تأثير كبير على نفسية اهالي محلتنا ، حمل تطور
البنية التحتية للدولة العراقية الكثير من التأثيرات على نفسية المواطن العراقي المعتمة
التي لم تكن تعرف الا الموت والدمار بالحروب والكوارث الطبيعية والامراض ، كثير من
اهالي المحلة فقدوا اعزاء عليهم فذاك الذي ذهب الى معارك الدولة العثمانية مثل
(دكة الغربية ) وتسميات اخرى ولم يعودوا وان عادوا فهم يعودوا بخفي حنين لا تقييم
ولا اهتمام وربما حمّلوا بعوق او عاهة مستديمة
، وربما فقد البعض الاخر اعزائهم في الفيضانات المتكررة على بغداد او في
انتشار الامراض اثرها أمثال الطاعون او الكوليرة او حتى الحصبة ، وتغير الحال
بتكوين الدولة العراقية الحديثة ووجود نيات صادقة للتطور وتوفير الخدمات للمواطنين
.
وما انشاء
الشوارع وتبليطها وزراعة الحدائق في ارجاء المدينة الا سعي صادق للتطوير ، واضافة
الى حديقة السباع كانت هناك عدد من الحدائق في زوايا وساحات اخرى قريبة ومنها
حديقة مجاورة لمستوصف كان يطلق الاهالي عليه ( مستشفى الحليب ) كونه كانت فيه
رعاية للحوامل والاطفال ويوفرون فيه تغذة صحية للاطفال الرضع حليب مجفف او طازج
وتقع في نهاية محلة الطاطران المطلة على شارع الشيخ عمر وحديقة اخرى في ساحة صغيرة
عند باب الشيخ تتوسط شارع الشيخ عمر و زاوية عند مستوصف الفضل الذي صار لاحقا
مستشفى الطواريء .
وانشئت مستشفى
السباع في طرف ساحة السباع الشرقي مطلة على حدائق السباع الغناء وهذه المستشفى في
هذه المنطقة الشعبية كان لها دور كبير في حياة اهالي محلتنا والمنطقة عموما لما
وفرته من رعاية صحية في متناول اليد وكثير منا حصل على خدمات هذه المستشفى .
كانت الحدائق
والاعتناء بزراعتها تبهر الشباب والكبار، والكثيرين من اهالي محلتنا تصوروا فيها ،
وكان للحدائق عدد من العاملين على ادامتها وحراستها ولقد مر علينا في مواضيع سابقة
الكلام عن حارسها العتيد ابن محلتنا الشخصية الاسطورية ( ابو خرمة ) ، وعند مجيء
عيد زكريا الذي يواضب اهل محلتنا على الاحتفال فيه كانت النساء تتقاطر على حدائق
السباع للحصول على اغصان نبات الياس الذي لا تكتمل صينة الزكريا الا به ، يزينّ به
الصواني مع الشموع ليرسل رائحته الزكية في ارجاء الاواوين ، لكن ابو خرمة لهن
بالمرصاد ان لم يستأذن منه ويبدين ضروب الاحترام .








